عدتُ إلى البيت مريضًا فوجدت سيارة صاحب الشركة في مرآبي... لكن المفتاح القديم كشف مصېبة أكبر بكثير!


الحاج كاظم عندما أصبحت الأوراق مرتبة.
ذهبت إلى مكتبه مع المحامية ومع الصندوق.
كان جالسًا خلف مكتب خشبي فخم، المكتب نفسه الذي كان لوالده.
وضعت الأوراق أمامه.
وفوقها نسخة التوقيع.
لم ينظر إليها حتى.
قلت
أعرف ما حدث لوالدي. أعرف موضوع التوقيع. وأعرف أن نصف الشركة كان له.
اتكأ على كرسيه بهدوء.
جمع يديه فوق المكتب وكأنه في اجتماع عمل.
وقال
تعرف أشياء كثيرة.
ثم نظر إليّ وأضاف
وماذا بعد؟
لم يتغير صوته.
ارفع قضية. لنرَ من سيصدق عامل الأخشاب أمامي.
لم ېصرخ.
لم يغضب.
كان يتكلم معي كأنني طفل عنيد.
بنفس الصوت الذي قال فيه اسم سيف عبر الهاتف.
قال
جاسم، أنت لا تملك حتى أتعاب المحامي. ارجع إلى بيتك.
ثم ابتسم.
آه صحيح... لم يعد لك بيت.
في تلك اللحظة فهمت.
بالنسبة له أنا لم أكن إنسانًا في يوم من الأيام.
كنت عقبة تحمل اسم عائلة.
وما أخافني أكثر لم يكن احتقاره.
بل راحته.
كان مرتاحًا جدًا.
مثل رجل اعتاد أن ينتصر منذ زمن طويل، حتى صار لا يشعر وهو يدوس الآخرين.
لم أرد عليه.
أخذت أوراقي وخرجت.
عند الزاوية ظهر الرقم الغريب على شاشة هاتفي مرة أخرى.
لم أجب.
حفظت كل شيء.
كنت أعلم أنه سينفعني لاحقًا.
مرت أشهر.
لم تكن سهلة.
ولا سريعة.
في ليلة وصلني اتصال بلا صوت.
وفي ليلة أخرى بقيت السيارة نفسها واقفة أمام مكتب المحامية حتى الثالثة فجرًا، وأضواؤها مطفأة.
وفي ليلة مطر شديدة، اتصلت بسيف وقلت له الحقيقة التي كنت أخجل من قولها
قلت له إنني تعبت.
قلت له إنني لم أعد أستطيع.
قلت له إنني ربما أترك لهم البيت والشركة وكل شيء.
ظل ابني صامتًا.
ثم قال بصوته الذي ما زال فيه شيء من طفل عمره أربعة عشر عامًا
أبي... هل تتذكر يوم رجعت من أجلي؟
قلت
نعم.
قال
إذا استسلمت أنت، فالذي سيحدثون معه هذا بعدك لن يجد أحدًا يرجع من أجله.
أغلقت الهاتف.
غسلت وجهي.
وفي اليوم التالي ارتديت القميص النظيف الوحيد الذي بقي عندي.
ونزلت مرة أخرى إلى المحكمة.
يوم صدر القرار، خرجت المحامية إليّ عند الرصيف.
أمسكت يدي بقوة وقالت
التوقيع باطل. لم يكن توقيع والدك. وهذا شيء يراه القانون.
وقفت في الشارع وبكيت.
الناس كانت تمر من حولي.
لم أهتم.
نصف شركة الأخشاب عاد إلى صاحبه.
عاد إليّ.
بورقة رسمية جديدة.
باسمي أنا.
وبتوقيعي أنا.
هذه المرة وأنا أضع نظارتي وأرى كل حرف.
أما الحاج كاظم، فتمت ملاحقته قانونيًا.
پتهم التزوير والاحتيال وسلب الحقوق.
لم يصبه اڼهيار.
لم يندم.
لم يبكِ.
سقط من نفس المكان الذي كان يمشي فوقه دائمًا
أمام القانون.
إلى أن لحق به القانون أخيرًا.
آخر ما سمعته عنه أنه في المحكمة لم تتغير ملامحه أيضًا.
بقي هادئًا.
كأن الخسارة بالنسبة له مجرد معاملة إدارية أخرى.
أما العم أبو حيدر، فلم أرفع عليه دعوى.
كان سجنه الحقيقي داخل رأسه طوال أربعين عامًا.
أعطيته عملًا في الشركة.
وماټ بعد سنتين وهو أكثر راحة مما رأيته في حياته.
ذهبت إلى جنازته.
أما هناء...
فلحقها القانون أيضًا.
رأيتها آخر مرة وهي تخرج من المحكمة.
لم تخفض رأسها.
لم تفعل ذلك أبدًا.
لم أتمنَّ لها الشړ.
ولم أشعر بالشفقة عليها.
لم يعد في داخلي مكان لأي منهما.
في ذلك السبت طلبت من الحداد تغيير قفل البيت.
لأنني اكتشفت أن هناك مفتاحًا إضافيًا فعلًا.
عرفت ذلك عندما جاءتني ابنتي زهراء وهي ترتجف، وتمسك مفتاحًا بسلسلة لونها خمري.
ذلك اللون الذي لم أره منذ اليوم الذي غادرت فيه هناء.
قالت بصوت منخفض
أمي جاءت يا أبي... ومعها رجل يرتدي بدلة. قالت إن من حقها أن تدخل البيت. وأنا عملت لها نسخة
حتى لا يغضبوا مني. سامحني.
احتضنتها.
قلت لها إنها لم تفعل شيئًا خاطئًا.
قلت لها إن الخطأ ليس عليها.
الخطأ على الرجل الذي يخيف طفلة عمرها أحد عشر عامًا حتى يأخذ منها مفتاح بيتها.
كانوا يعيشون دائمًا على خوف الآخرين.
مثل كل شيء فعلوه في حياتهم.
سألني الحداد
تريد تحتفظ بالمفاتيح القديمة؟
قلت له
ارمِها كلها.
أخذ
سيف سلسلة المفتاح الخمرية.
نظر إليها طويلًا.
ثم رماها بنفسه في سلة القمامة.
لم أقل له شيئًا.
لم يكن بحاجة إلى كلام.
زهراء طلبت عمل ثلاث مفاتيح جديدة.
واحد لي.
واحد لسيف.
واحد لها.
ثلاثة.
وليس أربعة.
اليوم يوم أحد.
أنا في مطبخ أصغر من مطبخنا القديم.
طليته باللون الأصفر.
سيف يقول إنه يريد أن يصبح مهندسًا، ولا يريد أن يعمل في الأخشاب.
وأنا أجادله فقط لأراه يغضب ويبتسم.
زهراء تمرر لي المفك كما كانت تفعل عندما كان عمرها ست سنوات.
قبل قليل عدت من شركة الأخشاب.
كان باب البيت غير مقفل، في منتصف النهار، كما اعتدنا في أحيائنا قديمًا.
وقفت لحظة على أول درجة.
مجرد عادة قديمة.
انتظرت أن ينقبض قلبي كما انقبض في ذلك الثلاثاء.
لكنه لم ينقبض.
لأنني سمعت الضحك في الداخل.
وهذه المرة كنت أعرف ضحك من.
الشيء الذي لم يفهمه أولئك الناس أبدًا...
أن البيت لا يُحمى بالأقفال فقط.
يُحمى بأن تعرف من في الداخل.
وأنهم موجودون لأنهم يريدون البقاء معك.
إذا ابتعد ابنك يومًا بشكل غريب...
إذا صار صامتًا...
إذا تغير فجأة...
فلا تعتبره ضائعًا.
ربما لم يخنك.
ربما كذبوا عليه أولًا.
اذهب إليه.
دائمًا اذهب إليه.
دخلت بيتي.
ولم أغلق الباب بالمفتاح.
ولأول مرة منذ زمن طويل...
نمت مطمئنًا.
من غير كلمة تقريبًا.
النهاية.