عدتُ إلى البيت مريضًا فوجدت سيارة صاحب الشركة في مرآبي... لكن المفتاح القديم كشف مصېبة أكبر بكثير!


كان أبرد شيء حدث لي في تلك الأيام.
المرأة التي اتصلت بي رتبت لي لقاءً مع محامية.
امرأة قصيرة، ترتدي نظارات، لا تتكلم كثيرًا.
كان مكتبها صغيرًا في شارع جانبي قريب من المحكمة.
وضعت الأوراق على الطاولة بسرعة، كأنها تعرف أننا لا نملك وقتًا.
أخرجت لها نسخة التوقيع.
نظرت إليها قليلًا.
ثم سألتني
أين وجدت هذه؟
قلت
في حقيبة عمي فاضل.
طوت الورقة بحذر.
وضعتها جانبًا وحدها، بعيدًا عن باقي الأوراق.
ثم قالت
سنعود إلى هذه لاحقًا.
وبدأت تقلب بقية الملفات.
بعد دقائق رفعت رأسها نحوي وقالت
والدك كان يملك نصف شركة الأخشاب يا أستاذ جاسم. وهذا الحق ينتقل لك.
قلت وأنا لا أفهم
وما علاقة هذا بطردي من العمل؟
قالت
كل العلاقة. حتى يأخذوا منك حقك، كان عليهم أولًا أن يجعلوك بلا عمل، وبلا بيت، وبلا صوت، وبلا أحد يصدقك. لذلك زوجتك. لذلك وظيفتك. لذلك كل ما حدث.
ثم قالت الجملة التي كسرتني من الداخل.
ابنك سيف قالوا له إنك مديون بمبالغ كبيرة. وإنك إذا تكلمت ستدخل السچن. الولد ظن أنه يحميك.
وضعت يدي على فمي.
لم تخرج مني كلمة.
ابني لم يبعني.
ابني لم يتركني.
ابني كان خائفًا عليّ.
سألتني المحامية
الهاتف الجديد الذي يحمله ابنك... من أعطاه إياه؟
قلت
الحاج كاظم.
قالت
كل رسائله تمر من هناك. والذي يقرأها، يقرأها قبله.
في الخارج دارت سيارة حول الشارع.
رأيتها من خلف الستارة.
في تلك الليلة اتصلت برقم سيف القديم.
الرقم الذي كان يستخدمه قبل الهاتف الجديد.
الرقم الذي أحفظه من ذاكرتي.
رن أربع مرات.
ثم جاء صوته منخفضًا
ألو؟
لم يكن هذا صوت الرسائل.
كان صوتًا أصغر.
أضعف.
أكثر خوفًا.
قلت
سيف... أنا أبوك.
سكت طويلًا.
ثم قال بصوت مكسور
أبي؟
وبدأ يبكي.
قالوا لي إنك لم تعد تريد الكلام معي. قالوا إنك غاضب مني.
سألته
من قال لك هذا؟
قال
أمي... والحاج
كاظم.
ثم انهار أكثر.
قالوا إنك وقعت أوراقًا. وإنك ستتركنا بلا بيت.
قلت له
أنا لم أوقع شيئًا يا سيف.
قال وهو يبكي
أنا حذفت رسائلك يا أبي. قالوا لي احذفها. سامحني.
قلت له
لا يوجد شيء أسامحك عليه.
قلت ذلك ثلاث مرات.
لأنه لم يكن يصدقني.
المحامية خصصت لي غرفة صغيرة فوق مكتبها.
لم تكن آمنة تمامًا.
لكنها كانت أفضل من الشارع.
سعد كان يأتيني بالطعام ليلًا، دون أن يشعل أضواء سيارته.
والسيارة الغريبة كانت لا تزال تدور حول المكتب.
مرة تلف حول الشارع مرتين.
مرة ثلاث مرات.
وأحيانًا تقف أمام المبنى وقتًا طويلًا.
أما سيف...
فكان يتصل بي سرًا.
كلمات قليلة.
بصوت منخفض.
لأنهم كانوا يراقبونه.
لأول مرة شعرت أنني لست وحدي.
لكنني لم أكن آمنًا أيضًا.
في إحدى الليالي، أخذت المحامية نسخة التوقيع ووضعتها تحت ضوء المكتب.
ثم أخرجت ورقة أخرى من الملف.
وقالت
انظر هنا.
اقتربت.
قالت
هذا توقيع والدك في أوراق المحكمة القديمة. وهذا التوقيع الموجود في حقيبة عمك.
نظرت إليهما.
كانا متشابهين جدًا.
بل متطابقين بشكل مخيف.
نفس الميل.
نفس الحركة.
نفس بداية الحرف ونهايته.
كأنه منسوخ.
قالت
والدك كان أعسر، أليس كذلك؟
قلت
نعم.
قالت
هذا التوقيع كتبه شخص ليس أعسر. شخص قلد شكل الخط، لكنه لم يفهم لماذا تميل اليد بهذا الشكل. هذه لم تكن توقيعًا طبيعيًا. هذه صُنعت. وعمك وجدها قبل أن تُدفن تمامًا.
عندها فهمت.
هذه النسخة لم تكن مجرد ورقة احتفظ بها عمي لي.
كانت دليلًا سرقه قبل أن يختفي.
قبل أن يمحوه أحدهم.
قبل أن يدفنوه مثلما دفنوا الحقيقة.
أربعون سنة تقريبًا...
وهذا السر تحت فراش رجل عاش خائفًا وحده.
في تلك الليلة رُميت حجر على نافذة الغرفة.
ارتطم الزجاج بقوة.
ولم ينكسر.
لكن الرسالة وصلت.
أما حقيقة مۏت والدي، فعرفتها من العم أبو حيدر.
ذهبت إليه مع المحامية.
كان رجلًا عجوزًا يجلس على كرسي بلاستيكي أمام بيته.
وعندما رآني، لم يتظاهر بأنه لا يعرف شيئًا.
خفض رأسه.
كأنه كان ينتظر هذا اليوم منذ سنوات.
قال لي بصوت ضعيف
أمروني أن أوقف السير الناقل تلك الليلة.
سكت.
ثم أضاف
الحاج الجبوري الكبير. قال لي إذا تكلمت، سأذهب وراء أبيك.
لم يكن الرجل شريرًا.
كان خائفًا.
ميتًا من الخۏف منذ أربعين سنة.
صدقته.
واجهت