رواية جديدة


— وإيه يعني؟
ضحكت ضحكة قصيرة.
— يعني إن العربية اللي أغلى من مراتك وبنتك... متدفعلهاش جنيه واحد من جيبك.
سكت.
ولأول مرة معرفش يرد.
بصتلي الجدة وقالت:
— يا بنتي، روحي ارتاحي شوية وأنا هكمل معاه.
دخلت أوضتي وأنا سامعة صوتها من برة.
— الست دي باعت أغلى حاجة كانت عندها عشان تساعدك تبني حياتك. ولما احتاجتك بعد الولادة سبتها في الشارع؟
قال بعصبية:
— الموضوع مش كده.
ضړبت العصاية بتاعتها في الأرض.
— أمال إزاي؟
سكت.
لأن مفيش تبرير.
مفيش أي كلام ممكن يخلي اللي عمله يبدو طبيعي.
وفي اليوم التالي...
صحيت على صوت الجدة وهي بتكلم حد في التليفون.
بعد ساعة واحدة بس...
وصل البيت محامي العائلة.
وأحمد أول ما شافه وشه اصفر.
قال:
— محامي ليه؟
الجدة ردت:
— عشان نراجع كل الممتلكات اللي اتسجلت باسمك رغم إن فلوسها مش بتاعتك.
اتجمد مكانه.
ولأول مرة بدأت أشوف الخۏف الحقيقي في عينيه.
الخۏف على الحاجة الوحيدة اللي كان بيحبها...
الفلوس.
مر أسبوع.
والجدة كانت كل يوم تتعامل معايا وكأنني بنتها.
تساعدني في البيبي.
وتطبخ.
وتطمني.
أما أحمد...
فكان يحاول يتكلم معايا.
لكن كل مرة كنت أتذكر منظر باب المستشفى وهو بيتقفل ورا ضهره وهو سايبني لوحدي.
وأفتكر الألم.
وأفتكر الإهانة.
وفي ليلة...
بعد ما نمت البنت.
دخل الأوضة وقعد قدامي.
وقال لأول مرة بصوت واطي:
— أنا غلطت.
بصيتله وسكت.
قال:
— عمري ما تخيلت إن اللي عملته ممكن يوجعك بالشكل ده.
رديت بهدوء:
— لأنك كنت بتفكر في العربية أكتر ما كنت بتفكر فينا.
نزل رأسه.
ولأول مرة...
ما حاولش يدافع عن نفسه.
عدت أيام.
ثم أسابيع.
وكان بيحاول يصلح اللي كسره.
يسهر مع البنت.
يساعد في البيت.
يوديني للدكتور.
ويتحمل المسؤولية.
لكن الچرح كان عميق.
وفي يوم...
الجدة طلبتنا إحنا الاتنين.
وقالت:
— أنا مش هعيش للأبد.
فبلاش تضيعوا عمركم في الغلط.
ثم بصت لأحمد وقالت:
— الراجل الحقيقي مش اللي يحافظ على عربيته.
الراجل الحقيقي هو اللي يحافظ على الناس اللي بتحبه.
وساعتها فقط...
اڼفجر أحمد في البكاء.
بكاء حقيقي.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
وقال وهو ماسك إيدي:
— سامحيني.
وسكت البيت كله.
لثوانٍ طويلة.
ثم بصيت لبنتنا الصغيرة وهي نايمة.
وافتكرت إن الحياة أحيانًا بتدي فرصة واحدة أخيرة.
فقلت:
— المسامحة ممكنة...
لكن النسيان مستحيل.
هز رأسه.
وقال:
— وأنا مستعد أفضل طول عمري أصلح الغلطة دي.
ابتسمت الجدة وقتها.
وقالت:
— كده بدأنا نتكلم صح.
وبعد شهور...
كانت نفس العربية واقفة قدام البيت.
لكن الغريب إن أحمد بقى أول واحد يفرش البطاطين على الكراسي عشان البنت تقعد مرتاحة.
وأول واحد ينضف أي حاجة توسخها.
وأول واحد يشيلها ويضحك.
وفي كل مرة كان حد يهزر ويقول:
— خلي بالك على العربية.
كان يبتسم ويبص لبنته ويقول:
— العربية تتصلح وتتغير...
لكن الناس اللي بنحبهم لو انكسروا بسببنا، مش دايمًا بنعرف نرجعهم زي الأول.
أما الجدة...
فكانت كل ما تشوفه يشيل بنته تبتسم في رضا.
لأنها عرفت إنها نجحت في الدرس الأصعب.
الدرس اللي خلاه يفهم متأخرًا جدًا...
إن قيمة الإنسان عمرها ما كانت أقل من قيمة أي شيء يملكه. ❤️
تمت.