رواية جديدة

ماما... أنا سمعت صوته.
تجمدت في مكاني.
كاد الهاتف القديم يسقط من بين يدي.
تراجع حيدر خطوة إلى الخلف.
لم ېصرخ.
لم ينكر.
بقي ينظر إلى علي وكأن ابني فتح قبرًا كان مدفونًا أمامنا.
صوت منو يا حبيبي؟ سألت، رغم أن جزءًا داخلي كان يعرف الجواب.
كان علي يرتجف بكل جسده.
شفاهه متشققة، عيناه غائرتان، وأظافره سوداء من كثرة ما خدش الخشب.
بابا كان يجي بالليل همس مو دائمًا يدخل. يبقى جوّه بالطابق السفلي. بس كنت أسمعه يحچي ويا أبو سعد.
شعرت أن الغرفة مالت من حولي.
لا...
لم أقلها لعلي.
قلتُها للحقيقة.
للعالم.
للكابوس الذي صار واقفًا أمامي.
ضغط حيدر على الهاتف بقوة حتى ظننت أنه سيكسره.
الولد مخربط قال.
صوته لم يكن يائسًا.
كان خطيرًا.
علي خاېف. ظل محپوس شهر كامل. ما يعرف شنو دا يحچي.
انكمش ابني قرب الحائط.
ماما... لا تخلينه ياخذني.
كان هذا كافيًا.
وقفت بينهما.
لا تلمسه.
نظر إليّ حيدر وكأنني خنته.
وكأنه ليس هو من يقف أمام ابننا الذي اختفى، ممسكًا بهاتف يدينه.
في الأسفل، كانت أم سعد تصرخ بأننا لا يحق لنا البقاء هنا، وأن هذا بيتها، وأنها ستتصل بالشرطة.
سمعتها، وشعرت پغضب كبير لدرجة أنه منحني هدوءًا غريبًا.
اتصلي صړخت وقولي لهم إننا وجدنا الطفل المفقود.
ظهر أبو سعد عند باب الغرفة.
لم يعد يبدو ذلك الرجل المسن الهادئ.
كان وجهه رماديًا، ويداه ترتجفان، وعيناه عينا شخص لم يعد لديه مخرج.
حيدر قال الموضوع خرج عن السيطرة.
سقط الاسم بوضوح.
أغلق حيدر عينيه.
نظرت إليه.
شنو سويت؟
حاول أن يقترب.
اسمعيني.
هكذا كان يناديني دائمًا.
لكني طوال شهر كامل لم أعد أنا نفسي.
صرت فقط أم الطفل المفقود.
المرأة التي تلصق صور ابنها على الجدران.
التي تبكي أمام باب المدرسة.
التي تحمل الصورة نفسها إلى المستشفيات، والمواقف، ومراكز الشرطة، ولا أحد ينظر إليها مرتين.
لكن في تلك اللحظة عدت أنا.
وأنا لم أعد أصدقه.
لا تقرب قلت.
بدأ علي يبكي أكثر.
زينب، ابنتي ذات الخمس سنوات، كانت في الأسفل، في الصالة، مع جارتنا التي ركضت إلينا عندما سمعت الصړاخ.
وفجأة تذكرت الرسالة.
إذا البنية استمرت تراقب الشباك، راح ناخذها هي أيضًا.
اخترقني الړعب.
نزلت وأنا أضم علي إلى صدري.
كان وزنه أخف من قبل.
أخف بكثير.
في الصالة، حاول حيدر أن يستعيد السيطرة.
لا أحد يتحرك قبل ما نحچي كعائلة.
دخل جارنا أبو مروان من طرف الزقاق، والهاتف في يده.
الدورية بالطريق قال واتصلت بمركز الشرطة وبلغتهم أن الولد المفقود لقيناه.
نظر إليه حيدر بكراهية.
إنت لا تتدخل.
أشار أبو مروان إلى علي.
طفل مفقود طلع ببيت مقابلنا. كلنا صرنا داخلين بالموضوع.
جلست أم سعد فجأة على الكرسي.
هم قالوا لي كم يوم وبس.
اسكتي! صړخ حيدر.
ذلك الصړاخ لم يكن صړاخ زوج.
كان صړاخ رجل انكشف.
احتضنت علي بقوة أكبر.
ليش؟
أخذ حيدر نفسًا عميقًا.
لأنك ما خليتي لي خيار.
اشمأززت من الجملة.
ما خليت لك خيار ټخطف ابنك؟
كان مؤقت!
غطى علي أذنيه بيديه.
انحنيت بجانبه.
انظر إليّ. أنت معي الآن. لن يغلق عليك أحد بابًا مرة أخرى.
تعلق بقميصي.
بابا قال إذا أبچي، إنتِ راح توقعين أسرع.
شعرت أن صدري انشق.
أوقع على ماذا؟
أنزل حيدر عينيه.
وهنا تذكرت.
بعد ثلاثة أيام من اختفاء علي، وضع حيدر أمامي ملفًا.
قال لي وقتها
هذا حتى ننقل البيت باسمي مؤقتًا. إذا احتجنا نبيعه بسرعة، ندفع لمحققين، نبحث، نعمل أي شيء.
كنت محطمة.
لا أنام.
لا آكل.
لا أفكر.
أمسكت القلم.
لكن زينب بدأت تصرخ في الممر
علي ما يريد!
ضړبت رأسها بالحائط حتى تركت الورقة.
في تلك الليلة لم أوقع.
وحيدر لم يكلمني يومين.
الآن فهمت.
بيتي.
البيت الذي نعيش فيه لم يكن بيت حيدر.
كان إرثًا من أمي، بيتًا بسيطًا في أحد أحياء بغداد القديمة، بواجهة زرقاء، وساحة صغيرة، وشجرة ياسمين قرب الباب. لم أرد يومًا بيعه، رغم أن حيدر ظل يضغط علينا للانتقال إلى منطقة أرقى.
عليك ديون قلت.
لم يرد.
لكن أبو سعد رد.
ديون