رواية جديدة


أرتجف.
غيّرت الأقفال.
ركّبت كاميرات.
دعّمت الشبابيك.
وأزلت الستائر التي كانت تطل على البيت الأصفر، لأنني لم أعد أحتمل رؤية تلك الواجهة.
بقي البيت الأصفر مغلقًا.
عليه أختام.
وعليه شريط.
وحوله جيران يتهامسون.
كنت أريد أن أحرقه.
لكن في يوم من الأيام، طلب علي أن ينظر إليه.
أريد أشوفه من برّه قال.
رافقتنا الأخصائية النفسية.
عبرنا الشارع.
وقف علي أمام الباب الأبيض.
أمسكت زينب يده.
رفع رأسه نحو نافذة الطابق الثاني.
هناك كنت أعد الأيام همس.
حاولت أن أتنفس.
كيف؟
أخط خطوط على الحائط. بس أبو سعد بعدين صبغها.
ضغطت زينب على شفتيها.
أنا شفتك.
نظر إليها علي.
إي.
أنا أنقذتك.
أومأ لها.
إي.
وقفت زينب باستقامة وكأنها جندية صغيرة.
يعني لازم تعطيني چبسك.
ضحك علي ضحكة صغيرة.
لم تدم طويلًا.
لكنها كانت ضحكة.
وبالنسبة لي، كانت كأن بابًا فتح في آخر الظلام.
كانت القضية طويلة.
ومؤلمة.
وقڈرة.
حاول حيدر أن يقول إنني غير مستقرة، وإن اختفاء علي جعلني مهووسة، وإنه كان يريد فقط حماية مصلحة العائلة.
محاميه طلب رؤية علي تحت إشراف.
تحدث عن حق الأب.
وتحدث عن العائلة.
استمعت القاضية إلى كل شيء.
ثم طلبت الاستماع إلى علي في مكان آمن.
لم يضطر ابني أن يراه.
تحدث مع أخصائية، ورسم أولًا البيت الأصفر، ثم النافذة، ثم زينب وهي تحمل قلمًا أحمر.
وعندما سألوه من أخذه، قال
بابا.
لم يبك وهو يقولها.
وهذا آلمني أكثر.
كأن البكاء داخله قد نفد.
خلال القضية، سُحبت ولاية حيدر، ثم خسرها نهائيًا.
صدر الحكم عليه پتهم خطڤ، واحتجاز، وتعنيف أسري، وكل ما استطاع القانون أن يسمي به خېانة لا تكفيها الكلمات.
أبو سعد وأم سعد حُكم عليهما أيضًا.
أما البيت الأصفر، فقد بيع بعد سنوات.
لم أرد أن أعرف لمن.
نحن غادرنا قبل ذلك.
بعت بيتي في بغداد.
ليس لأن حيدر انتصر.
بل لأنني لم أعد قادرة أن أطلب من أطفالي الشفاء وهم ينظرون إلى النافذة التي أخذ فيها الکابوس شكل ستارة.
انتقلنا إلى بيت صغير في كربلاء، بعيدًا عن ذلك الشارع.
بيت بساحة صغيرة، وشمس تدخل من الشبابيك صباحًا، وصوت بائع الخبز يمر قريبًا من الزقاق.
في أيام الجمعة كنا نشتري كاهي وقيمر.
وأحيانًا نمشي قرب السوق، وكان علي يظل ملتصقًا بي، ثم بدأ شيئًا فشيئًا يبتعد خطوة.
ثم خطوتين.
لم يعد يركب دراجته الزرقاء.
لأشهر طويلة لم يرد حتى رؤيتها.
وضعتها في المخزن، مع خوذة جديدة أهداها لنا أحد الجيران حين سمع القصة.
وفي يوم، بعد نحو سنة، دخل علي إلى المخزن وأخرجها.
أريد أصبغها قال.
أي لون؟
فكر قليلًا.
أحمر.
صبغناها في الساحة.
وانتهت زينب بلون على ذراعيها أكثر مما على الدراجة.
ڠضب علي في البداية.
ثم ضحك.
جلست على الأرض، ويداي ملطختان بالطلاء، وبكيت دون أن يرياني.
أول مرة عاد فيها إلى ركوب الدراجة كانت في شارع هادئ مغلق، وأنا أمشي بجانبه، وزينب تصرخ بالتعليمات كأنها مدربة محترفة.
فرمل! لا تسرع! هسه أسرع!
توقف علي بعد عشرة أمتار.
كان يرتجف.
ما أقدر.
اقتربت منه.
تقدر. لكن مو لازم اليوم.
نظر إلى الدراجة الحمراء.
ثم نظر إليّ.
بابا قال إنك راح تنسيني إذا تأخرت هواية.
شعرت أن شيئًا داخلي انكسر مرة أخرى.
انحنيت أمامه.
علي، أنا بحثت عنك حتى عندما كان الجميع يقولون لي لا يوجد شيء. كنت سأبحث عنك طول عمري.
حتى لو كنت مېت؟
حتى لو قال لي العالم كله ذلك.
دخلت زينب بيننا.
وأنا هم. أنا كنت أعرف إنك هناك.
احتضن علي أخته.
هذه
المرة لم يكن ذلك خوفًا.
كان امتنانًا.
مرت السنوات.
ليست بطريقة سحرية.
وليست كما يحدث في الأفلام.
علي بقيت لديه كوابيس.
وزينب ظل لديها خوف من النوافذ.
وأنا صرت أرتجف عندما أسمع سيارة تتوقف فجأة.
ذهبنا إلى العلاج النفسي.
تعلمنا كلمات جديدة صدمة، تعافٍ، أمان، حدود.
وتعلمنا كلمات أبسط.
خبز.
شمس.
ضحكة.
بيت.
في اليوم الذي أكمل فيه علي اثني عشر عامًا، طلب أن نذهب إلى مدرسته القديمة في بغداد.
خفت.
لكننا ذهبنا.
كانت المدرسة كما هي.
الباب.
الجدران.
الباعة قرب الزاوية.
الأطفال يخرجون بحقائب أكبر من أجسادهم.
وقف علي ينظر إلى