رواية كامله


دفعني عادل للخلف وهو ېصرخ يا ممرضة! ارفعي الأكسجين فوراً!
وقفت هناك، عاجزاً لأول مرة في حياتي. أنا الجراح.. الأب.. الرجل الذي خيط شرايين مقطوعة لكنه لم يستطع منع قلبه من الټحطم.
في يدي قطعة قماش بدم رامي، وعلى ظهر ابنتي رسالة موجهة لشخص ما، وفي أنفاسها الأخيرة، أعطتني اسم مدينة الجونة.
التفتُّ لعادل وسألته إيه اللي حصل في الجونة؟
لم يجب. صمته ونظرة عينه كانت إجابة كافية ومخيفة.
وقبل أن أنطق بكلمة أخرى، انفتح باب الطوارئ واندفعت ممرضة، وجهها خالٍ من الألوان، نظرت إليّ وقالت يا دكتور.. جوز نورا هانم واقف تحت.
أطبقت قبضة يدي بقوة وقلت خليه يستنى.
ابتلعت الممرضة ريقها وقالت بصوت منخفض هو مش جاي يطمن عليها يا فندم..
تصلب عادل في مكانه، فنظرت إليها وسألت أمال طالب إيه؟
إيه اللي تتخيله ممكن يكون حصل في الجونة وخلى رامي يتعامل ببرود الأعصاب ده؟؟؟؟!.
الجزء الثاني طريق الٹأر
رأى رامي ملامح وجهي قبل أن أرى المرأة التي معه. للحظة واحدة، سقط القناع عن وجهه؛ تلاشت نظرة الحزن التي اصطنعها، واختفى القلق الزائف الذي يرتديه في صور العائلة وحفلات التبرع. ظهرت الحقيقة نظرة باردة، حاسمة، ومجردة من أي رحمة.
ثم استعاد قناعه في لمح البصر واندفع نحوي يا بابا! نورا فين؟ إيه اللي حصل؟ كلموني وقالوا حاډثة..
تراجعت خطوة للخلف قبل أن تلمس يده قدمي. بقيت يداه معلقتين في الهواء. خلفه كانت تقف امرأة شابة، ترتدي فستان اسود وتغطي نصف وجهها ب طرحة مسحوبة لأسفل. كانت أصغر من نورا، وعيناها منتفختان، ليس من البكاء، بل من قلة النوم. نظرت إليّ مرة واحدة ثم خفضت رأسها بړعب.
التفتُّ للممرضة وقلت انتي قلتي إنه سأل لو الچثة تم التعرف عليها؟
ارتبك رامي، بينما ارتعشت المرأة
خلفه. قال رامي بسرعة يا بابا أنت فهمت غلط، الشرطة كلمتني عن واحدة مواصفاتها زي نورا، كنت مړعوپ، سألت لو..
قاطعه صوت عادل الصارم من خلفي محدش من الشرطة كلمك يا رامي.
في الطب، هناك لحظات يخبرك فيها الجسد بالحقيقة قبل أن ينطق اللسان بالكذب. نبضة تقفز في الرقبة، بؤبؤ عين يتسع، أو قبضة يد تنقبض. يد رامي اليسرى انقبضت.
نظرت إلى إسورة القميص التي في يدي داخل كيس الأدلة، والحروف المطرزة ر. م. خ. سألته بهدوء قاټل فين بقية القميص ده؟
شحب وجهه وهو ينظر للكيس، ثم ابتسم بحزن مصطنع إيه ده؟ يا بابا أرجوك، أنا لازم أشوف مراتي.
اقتربت منه خطوة هي قالت لي مقولكش إنها لسه عايشة.
ساد صمت رهيب في الردهة. توقف رامي عن التنفس. المرأة خلفه رفعت رأسها فجأة وهمست عايشة؟
الټفت إليها رامي بحدة وصړخ اسكتي خالص!
كانت هذه غلطته الأولى أمامي. كلمتان فقط، لكنهما حملتا نبرة تملك مخيفة، نفس النبرة التي كنت أسمعها من الأزواج الضاربين حين تأتي زوجاتهم للطوارئ بحجة حروق المطبخ أو وقعة في الحمام.
سألت المرأة اسمك إيه؟
رامي رد بدلاً عنها دي واحدة قريبتنا.. مصلحة عائلية.
قلت بصرامة أنا بسألها هي.
قالت بصوت يرتجف ميرا.
تذكرت همس نورا اسأله عن الجونة.
قلت لها ميرا.. بتاعة الجونة؟
انهار وجهها تماماً. رامي تحرك بسرعة، سرعة رجل لا يملك ذرة براءة. أمسك بمعصمها پعنف وقال احنا ماشيين.
أمسكت بذراعه. طوال سبعين عاماً، كان الناس يلقبونني ب الحكيم الهادئ. لم يعرفوا أن الهدوء أحياناً ليس إلا باباً مغلقاً خلفه عاصفة.
قلت له لو خطيت خطوة واحدة كمان، هنسى إني دكتور.
نظر ليدي على ذراعه، ثم لوجهي. لأول مرة، لم يرَ الجراح المتقاعد، ولا العجوز مريض السكر ذو الأصابع المرتعشة.. رأى أباً قرأ