رواية كامله

٢٩ سنة من عمري ضاعوا في خدمة جوزي العاجز.. لحد ما رجعت البيت بدري واكتشفت الخديعة.
طول عمري كنت فاكرة إن الحب معناه التحمل. إنك تفضل موجود، وتستحمل، وتشيل شيلة اللي قدامك لما يقع، ومن غير ما تسأل نفسك في يوم هو أنا جيت على نفسي زيادة عن اللزوم؟. مكنتش بشوف ده تضحية، كنت بشوفه أصل وواجب، حاجة مبتتراجعش طول ما البيت واقف على رجليه.
كل ده اتغير وأنا عندي ٢٨ سنة.
جابر وقع من على السلم وهو بيصلح ماسورة في البيت، وفي يوم وليلة، المستقبل اللي كنا بنبنيه اتهد. في المستشفى، الدكاترة اتكلموا بحذر عن إصابة في الأعصاب وآلام مزمنة وعجز ممكن يفضل معاه طول العمر. مقالوش إنه ھيموت، بس أكدوا إن حياته مش هترجع زي الأول.
ف قررت أشكل حياتي كلها عشان تناسب حياته الجديدة.
السنين اللي بعدها بقت عبارة عن روتين مبيخلصش؛ مواعيد دوا، جلسات علاج طبيعي، أوراق تأمينات، وتعود على إني أشيله لما توازنه يختل، وأحس بوجعه قبل ما ينطق.
محلفناش الحظ إننا نجيب أطفال.
وقتها قلت لنفسي ده القرار الصح، الحب اللي بينا هيكفينا ويملى الفراغ. جابر كان دايماً يقولي معلش يا هدى، إحنا لبعض، وكنت بصدق لاني كنت محتاجة أصدق. الناس كانت بتقول عليا الست الأصيلة، الصبورة، اللي مفيش منها. مكنتش بصلح لهم الكلام، لأني كنت فاكرة إن ده فعلاً اللي بيحصل.
السنين مرت ورا بعضها، وحالته بقت مستقرة، كلمة حلوة بس معناها إن المعاناة بقت هي العادي. يوم بيمشي بعكاز، ويوم على كرسي متحرك، وأنا ماشية معاه؛ ركبنا أسانسير كرسي على السلم، وغيرنا عفش البيت، وكل حاجة بقت متفصلة على مقاس عجزه.
كنت مقتنعة إن ده هو الحب.
الحقيقة مجتش مرة واحدة.. جات بالراحة ومن تفصيلة صغيرة.
يوم خميس، خرجت من الشغل بدري.
كان فيه ميعاد اتلغى، وقلت استغل الفرصة دي وأروح أجيب له الأكلة اللي بيحبها وأعمله مفاجأة تكسر روتين أيامنا الصعبة.
أول ما ركنت العربية قدام البيت، لمحت عربية غريبة مركونة.
عربية موديل السنة، وواقفة بثقة كأن صاحبها صاحب بيت.
المواجهة الصامتة
دخلت البيت، الدنيا كانت هسس.. مفيش صوت تلفزيون، مفيش حركة، مفيش صوت خبط العكاز اللي اتعودت عليه.
وفجأة سمعت صوت خطوات.
خطوات ثابتة.. سريعة.. مش مهزوزة ولا خاېفة.
قلبي بدأ يدق بسرعة غريبة، اتسحبت ووقفت ورا الحيطة اللي جنب الطرقة.. وهنا شفته.
جابر.
نازل من على السلم.. مش ساند على الترابزين.. مش بيترعش.. مش بيعاني.
نازل زي الحصان.
ووراه كانت تهاني.
أنا عارفاها كويس، كانت بتقعد ورانا في الجامع، الست اللي كانت دايماً تتكلم عن عمل الخير ومساعدة الناس. دي حتى هي اللي نظمت مرة تكريم ل زوجات المرضى ووقفت جنبي والناس بتسقف لي على صبري وشيلتي لجوزي.
دلوقتي كانت في بيتي.. وبتضحك معاه.
متحركتش من مكاني، مش لأني مش فاهمة، لأ لأني فهمت كل حاجة بزيادة. طلعت موبايلي وصورت.. صورت الخطوات، وصورت الضحك، وصورت الخديعة اللي عشت فيها ٢٩ سنة.
الحساب
مواجهتوش وقتها.
روحت لصحبتي الوحيدة عبير، حكيت لها وهي بتسمعني من غير ما تقاطعني، بس ملامحها قالت إنها مش متفاجئة.
قالت لي بصوت واطي كنت فاكرة إنك عارفة يا هدى.. أنا شفته بيتمشى في الجنينة ورا البيت من شهور.
من شهور؟