سر سلسلة جدتي ل الهواري


لون وشها وقالت إنها تعرف المكان، لكنه مقفول من سنين طويلة والناس بتقول إنه مسكون وإن محدش بيقرب منه. ضحكت مريم من الكلام، لكنها كانت حاسة إن وراء الحكاية حاجة أكبر. وفي نفس اليوم راحوا سوا للمخزن القديم، وبعد ساعات من البحث بين الحوائط المتهالكة والأخشاب المتكسرة، اكتشفوا غرفة سرية صغيرة خلف جدار مزدوج، وفيها صندوق حديدي صدئ. احتاجوا وقت طويل عشان يفتحوه، لكن الصدمة كانت كبيرة لما لقوا جواه دفاتر حسابات قديمة ومستندات أصلية تثبت وجود أملاك وأموال اختفت من العائلة منذ أكثر من خمسين سنة. والأهم من ده كله، لقوا دفتر مذكرات كتبه الجد بنفسه، وكان بيوصف فيه بالتفصيل إزاي اتعرض للخېانة من أشخاص وثق فيهم أكتر من نفسه. لكن مريم، بعد ما بقت ناضجة وخبيرة في الحياة، مكنش همها الفلوس بقدر ما كان همها تعرف الحقيقة كاملة. بدأت رحلة طويلة استمرت شهور تجمع فيها الأدلة وتراجع الأوراق وتقابل ناس كبار في السن عاشوا الأحداث بنفسهم، وكل يوم كانت تكتشف إن جدتها كانت أذكى مما تخيلت، لأنها حافظت على الخيوط المهمة كلها لحد ما توصل ليها في الوقت المناسب. وخلال الرحلة دي، حصل شيء مكنتش متوقعاه، فقد بدأت مشاعر قديمة تتغير بينها وبين أسماء. البنت اللي وقفت جنبها وهي يتيمة وفقيرة، واللي فضلت مخلصة ليها رغم السنين، بقت أقرب إنسانة لقلبها. كانت أول واحدة تكلمها لما تفرح، وأول واحدة تلجأ ليها لما تتعب أو تحتار. ومع الوقت فهمت مريم إن بعض الناس بيبقوا هدية من ربنا، بيظهروا في أصعب لحظات العمر ويكملوا الرحلة معاك للنهاية. وفي الوقت اللي كانت فيه بتكتشف أسرار الماضي، كانت المؤسسة الخيرية بتكبر بشكل غير مسبوق، وبدأت تفتح فروع جديدة في محافظات مختلفة، وتبني مدارس ومراكز تدريب ومستشفيات صغيرة للمحتاجين. الناس كانت شايفة نجاحها، لكن محدش كان يعرف كمية التعب والدموع والليالي الصعبة اللي عاشتها عشان توصل للمكانة دي. وفي يوم من الأيام وصلها خبر ۏفاة زوجة أبيها السابقة، الست اللي حاولت تحرمها من حقها وهي طفلة. للحظة سكتت، ثم طلبت تعرف ظروفها الأخيرة. وعرفت إنها ماټت فقيرة ووحيدة، بعد ما خسرَت كل الناس اللي كانت بتستغلهم أو تتكبر عليهم. وقتها حست مريم بحزن غريب، مش شماتة، بل حزن على إن الطمع ممكن يوصل الإنسان للنهاية دي. أما أبوها، فكان قد تغير فعلًا مع مرور السنين. صار يقضي أغلب وقته في المسجد أو في أعمال الخير، وكأنه يحاول يصلح ما أفسده في الماضي. ورغم إن الچروح القديمة عمرها ما اختفت بالكامل، إلا إن مريم تعلمت إن التسامح أحيانًا بيكون راحة لصاحبه أكتر ما هو هدية للطرف الآخر. وبعد سنوات طويلة
أخرى، وقفت مريم في حفل
افتتاح أكبر مشروع خيري عملته في حياتها، مدينة كاملة لرعاية الأيتام والتعليم المجاني والتدريب المهني. كانت واقفة على المسرح والناس كلها بتصفق، لكن عينيها راحت تلقائيًا لصورة كبيرة معلقة على الحائط. صورة جدتها فاطمة. نفس الابتسامة البسيطة، ونفس الملامح الطيبة اللي كانت تطمنها وهي طفلة. وقتها دموعها نزلت من غير ما تقدر تمنعها، وقالت في كلمتها أمام الجميع الناس فاكرة إن النجاح بدأ يوم لقيت الفلوس أو الأرض، لكن الحقيقة إن النجاح بدأ يوم ست فقيرة علمت طفلة صغيرة إنها متستسلمش مهما الدنيا قست عليها. سكتت القاعة كلها وهي بتكمل كلامها، وأضافت أنا مدينة بكل حاجة حصلت في حياتي لست كانت بتقسم آخر لقمة عيش بيني وبينها، وكانت مؤمنة بيا أكتر من إيماني بنفسي. وبعد انتهاء الحفل، خرجت لوحدها في المساء ومشت وسط الأشجار اللي زرعتها المؤسسة الجديدة، وكانت السماء صافية والهواء بارد، وفجأة افتكرت كل شيء... الفرن الطين، البيت الصغير، البطاطا الساخنة، الجواب المختوم بالشمع الأحمر، والسلسلة الدهب اللي غيرت مجرى حياتها. ابتسمت وهي تبص للنجوم وقالت بهمس كأنها بتكلم جدتها اطمني يا ستي... أنا بخير، ووعدك لسه بكمّله لحد النهاردة. وفي اللحظة دي شعرت براحة عمرها ما حسّت بيها قبل كده، لأنها أدركت أن الرحلة اللي بدأت بالخۏف والوحدة والفقد انتهت بالأمل والنجاح والمحبة، وأن أعظم اڼتقام من الظلم لم يكن الاڼتقام نفسه، بل النجاح الذي جعلها أقوى من كل من حاولوا كسرها، وأكبر من كل الأحقاد التي واجهتها في الطريق.