شقة مسكونه حكايات زهرة


بس مفيهاش حاجة تخوف.
مشيت لحد الشباك عشان أفتح الستارة وأدخل شوية هوا ونور.
الستارة كانت قطيفة تقيلة ولونها بني غامق، أول ما لمستها نزل منها جبل تراب.
شديتها بكل عزمي.
الستارة بالماسورة بتاعتها وقعوا على الأرض.
شمس العصاري دخلت فجأة نورت وفي اللحظة دي بالذات... أنا اتثبتت في مكاني.
بصيت بذهول للحيطة اللي الشمس ضړبت فيها.
المادة السودا اللزجة دي، أول ما الشمس جت عليها، بدأت تلمع والريحة التقيلة اللي في الجو، مع سخونية الشمس، بدأت تطلع وتفوح أكتر وتملى المكان وبقت تخنق اكتر واكتر.
قربت من الحيطة، وبالراحة كدة وبضفري كشطت حتة صغيرة من الدهان الأسود ده.
ملمسها تحت إيدي كان مطاطي ومرن... ملمس أنا عارفها كويس أوي أوي!
رفعت إيدي عند مناخيري، غمضت عيني، وشميت الريحة بعمق.
هي! هي بالظبط
فتحت عيني فجأة.
وقلبي كان بيدق زي الطبل.
مش من الخۏف... لأ!
أنا كنت هطير من الفرحة، فرحة تخلي العاقل يتجنن!
لفيت وجريت بأقصى سرعة للباب، لدرجة إن أحمد السمسار اتخض ورجع لورا وهو مخضوض.
في إيه يا بيه ؟ تعبت صح؟ يلا بينا نمشي بسرعة من هنا!
مسكته من دراعه بجمود وعيني بتلمع
كلملي صاحب الشقة دلوقتي حالا.
إيه؟
كلمه حالا بقولك! انا اشتريت !!!!!
مسكت أحمد السمسار من دراعه لدرجة إن صوابعي علّمت في جلده، والراجل كان باصصلي وهو مبرق ومش فاهم حاجة، يادوب بيبلع ريقه بالعافية ويقولي يا بيه صلي على النبي، اشتريت إيه؟ أنت وشك أصفر وعرقان كأنك شُفت جن مصور جوة! تعال ننزل بس نشرب حاجة ونهدى.
زعقت فيه بصوت هز العمارة القديمة بقولك كلم صاحبها حالاً! ال 200 ألف جنيه جاهزين كاش وفي الشنطة دي، والمقدم أهو.. أنا مش هتحرك من هنا إلا والوصول في إيدي!
أحمد طلع تليفونه وإيده بترتعش، ضړب رقم وصبر ثواني لحد ما الخط فتح، وجالي صوت راجل كبير في السن، صوته باين عليه الهم والتعب أيوة يا أحمد، فيه جديد في الشقة الملعۏنة دي؟
السمسار بصلي وبلع ريقه وقال معايا زبون يا حاج توفيق.. وعايز يشتري حالا كاش.
التليفون سكت لثواني، كأن الراجل مش مصدق، وبعدين رد بصوت واطي هو لسه مخرجش يجري؟ قعد فيها أد إيه؟
أحمد رد بقاله ربع ساعة جوة يا حاج، وطالع مش على بعضه وبيقول شاري.
الحاج توفيق قال بلهفة أنا ربع ساعة وأكون عندكوا.. متخليهوش يمشي!
قعدت على السلم القديم المترب وأنا بضحك في سري، ضحكة واحد كان ھيموت غرقان ولقى قشاية، لأ.. ده أنا لقيت جزيرة دهب!
أحمد السمسار كان واقف بعيد عني، ساند على الحيطة وبيبصلي بريبة، كأنه مقتنع إني املبست أو العفاريت لحست مخي في الخمس دقائق اللي دخلتهم جوة. هو معذور، ميعرفش أنا شفت إيه، وميعرفش السر اللي خلى الناس تحس ب غمامان النفس والدوخة وأول ما يدخلوا يجروا.
السر كله كان في المادة السودا اللزجة اللي ماليّة الحيطان، والريحة النفاذة اللي تكتُم النفس..
الناس العادية، وأصحاب الشقة، وحتّى السماسرة، لما كانوا بيدخلوا ويشموا الريحة دي مع الضلمة والكآبة اللي في المكان، كانوا بيفتكروا إنها طاقة سلبية أو سحر أسود ومكان مسكون.. بس أنا؟ أنا أبويا الله يرحمه كان أكبر تاجر عطارة وزيوت طبيعية وجيولوجي هاوي في قريتنا قبل ما ېموت والورث يتسرق، وأنا عشت طفولتي كلها وسط البراميل والوصفات، وبشم الروائح دي وبفرّق بينها وعيني مقفولة!
المادة اللي على الحيطة دي مكنتش دهان، ولا كانت هباب حريقة.. دي كانت مادة الموميّاء أو اللي بيسموها في عالم العطارة برة البتومين الطبيعي النقي المخلوط براتنجات عطرية قديمة، ومعاها كميات ضخمة