رواية كامله


في إحدى الأمسيات كنت أجلس في الفناء وبرق مستلقٍ عند قدمي.
عندها أدركت حقيقة لم أكن مستعدًا لها.
هذه الفيلا لم تعد ملاذي.
لقد تحولت إلى ساحة حرب.
صحيح أنني انتصرت.
لكنني لم أرد أن أقضي ما تبقى من عمري محاطًا بالذكريات المؤلمة والخلافات.
ولهذا اتخذت قرارًا لم يتوقعه أحد.
بعت الفيلا.
لكنني لم أبعها للطامعين.
ولم أبعها لخالد.
بعتها لزوجين شابين لديهما طفلان صغيران.
كانا يركضان في الحديقة بفرح وكأنهما اكتشفا عالمًا جديدًا.
وقبل أن أسلمهما المفاتيح قلت
اعتنيا بها جيدًا.
هذه الفيلا تعرف كيف تمنح الحب.
وتعرف أيضًا كيف تتذكر.
بجزء من المال اشتريت منزلًا متنقلًا حديثًا مجهزًا بالكامل.
عندما أخبرت أمل بذلك قالت إنني فقدت صوابي.
فضحكت وقلت لها
بالعكس.
لأول مرة منذ سنوات أشعر أنني بكامل عقلي.
وفي صباح جميل انطلقت في رحلة طويلة عبر مناطق المملكة.
وكان برق يجلس بجانبي.
أما مجوهرات أم خالد فوضعتها داخل صندوق صغير أحمله معي دائمًا.
ليس كذكرى مؤلمة.
بل كوعد جميل.
كنت أريد أن أرى البحر.
والجبال.
والقرى القديمة.
وأن أتناول إفطاري حيث أشاء.
وأن أنام حيث يأخذني الطريق.
أما خالد فقد صدر بحقه حكم في قضايا الاحتيال واستغلال كبير السن.
لم أتمنَّ له المۏت.
ولم أتمنَّ له الفقر.
كل ما تمنيته له هو أن يتذكر.
أن يتذكر كل توقيع وقّعه.
وكل كڈبة قالها.
وكل مرة اختار فيها أن ينظر إلى الأرض بدلًا من النظر إلى والده.
وفي آخر مرة رأيته فيها قبل أن يتم اقتياده سألني
هل يمكن أن تسامحني يا أبي؟
أخذت نفسًا عميقًا.
ونظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
أسامحك بصفتي أبًا.
أما ما فعلته بصفتي رجلًا فستتكفل العدالة بالحكم عليه.
واليوم...
أكتب هذه الكلمات وأنا أجلس أمام البحر.
وبرق نائم إلى جواري.
والهواء يحمل رائحة الحرية.
لم تعد لدي الفيلا التي بنيتها بيدي.
لكنني استعدت شيئًا أعظم بكثير.
اسمي.
وكرامتي.
وحقي في أن أقرر كيف أعيش بقية عمري.
لأن العائلة ليست من تشاركك الډم ثم تحاول سړقة روحك.
العائلة هي من تمد يدها لك عندما يظن الجميع أنك انتهيت.
أما أنا...
أبو خالد العسيري...
فلم أكن ميتًا يومًا.
كنت فقط أنتظر اللحظة المناسبة للعودة.