رواية كامله


الحديث على الفور.
وأخذ يتحدث عن أمور أخرى.
وعندما هممت بالمغادرة أمسك يدي.
وضغط عليها بقوة.
ثم قال
إذا حدث لي شيء مفاجئ... فلا تتعجلي في أي قرار.
نظرت إليه باستغراب وسألته
ماذا تعني يا أبي؟
لكنه اكتفى بالنظر إليّ.
ثم قال بهدوء
فقط تذكري كلامي.
في ذلك الوقت ظننت أنه يتحدث بدافع التعب أو القلق.
لكنني، وأنا أقف خارج غرفة الغُسل، وأستمع إلى حديث المغسِّل عن القبضة المنغلقة، وأرى زوجي يراقب الساعة كل بضع دقائق، بدأت أشعر أن أبي كان يحاول أن يحذرني من شيء ما.
شيء بدأ قبل ۏفاته بوقت طويل.
شيء لم أكن أفهمه بعد.
لكنني لم أكن أعلم أن ذلك التحذير سيكون أول خيط يقودني إلى حقيقة جعلتني، بعد أيام قليلة فقط، أطلب بنفسي فتح تحقيق رسمي في ۏفاة أبي في تلك اللحظة، لم أعد أستطيع الوقوف مكتوفة اليدين.
اقتربت من باب غرفة الغُسل، لكن زوجي اعترض طريقي بسرعة غير طبيعية.
قال بصوت منخفض زينب... سيبيهم يخلصوا شغلهم.
نظرت إليه طويلًا.
كان يحاول أن يبدو هادئًا، لكن قطرات العرق على جبينه فضحته.
سألته إنت خاېف من إيه؟
ارتبك للحظة ثم قال مش خاېف... بس الوقت بيتأخر.
وقبل أن أرد عليه، خرج المغسل مرة أخرى.
وفي يده قطعة قماش صغيرة.
وقال فتحنا القبضة أخيرًا.
تجمد الجميع في أماكنهم.
أما أنا فشعرت أن قلبي توقف عن النبض.
رفع الرجل القماش ببطء.
وكان بداخلها...
مفتاح نحاسي قديم.
تبادل الحاضرون النظرات.
بعضهم تنفس بارتياح.
لكن زوجي ازداد شحوبًا.
ولم يفتني ذلك أبدًا.
سألت المغسل مفتاح إيه ده؟
هز رأسه وقال لا أعلم.
لكن عمي مصطفى، شقيق أبي الأكبر، حدق في المفتاح فجأة واتسعت عيناه.
ثم قال بصوت متحشرج
مستحيل...
الټفت الجميع إليه.
فسألته تعرفه؟
ابتلع ريقه وقال ده مفتاح المخزن القديم.
ساد الصمت.
ذلك المخزن كان بناءً صغيرًا خلف أرض زراعية ورثها أبي عن جدي.
ظل مغلقًا سنوات طويلة.
حتى إنني نسيت وجوده أصلًا.
لكن أبي
لم يبع الأرض أبدًا رغم عشرات العروض التي تلقاها.
تقدمت نحوه بسرعة.
وإيه أهمية المخزن؟
نظر عمي نحو زوجي أولًا.
ثم قال
أبوك كان بيروح هناك مؤخرًا بشكل متكرر.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لأن أبي لم يخبرني بذلك.
أما زوجي فكان يشيح بوجهه بعيدًا.
وكأنه لا يريد سماع كلمة أخرى.
انتهت مراسم الډفن.
لكن المفتاح لم يفارق تفكيري.
وفي مساء اليوم نفسه، بينما كان المعزون يغادرون واحدًا تلو الآخر، دخلت غرفة أبي للمرة الأولى منذ ۏفاته.
كانت مرتبة بشكل غريب.
أكثر ترتيبًا مما اعتاد عليه.
وكأن أحدًا فتشها ثم أعاد كل شيء إلى مكانه.
فتحت الأدراج.
راجعت الأوراق.
ولم أجد شيئًا.
حتى لاحظت ورقة صغيرة عالقة خلف إطار صورة قديم.
سحبتها بحذر.
وكان مكتوبًا عليها بخط أبي
إذا وصل هذا المفتاح إلى زينب، فلتذهب إلى المخزن وحدها.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وتحت الجملة مباشرة كتب
ولا تثق بأحد حتى تعرف الحقيقة.
أعدت قراءة الكلمات مرات عديدة.
وفي كل مرة كان اسم أبي يرن في أذني من جديد
إذا حدث لي شيء مفاجئ... فلا تتعجلي.
في صباح اليوم التالي، حملت المفتاح وانطلقت إلى الأرض الزراعية.
رفضت أن أخبر أحدًا.
حتى زوجي.
وصلت إلى المخزن بعد رحلة قصيرة.
كان الباب مغطى بالغبار.
وكأنه لم يُفتح منذ سنوات.
أدخلت المفتاح.
دار بسهولة.
وكأن أبي استخدمه قبل أيام فقط.
دفعت الباب ببطء.
فصدر صرير حاد وسط الصمت.
ودخلت.
كانت الغرفة شبه مظلمة.
لكن ما لفت انتباهي فورًا صندوق حديدي كبير في الزاوية.
اقتربت منه.
وكان فوقه ظرف أبيض.
مكتوب عليه اسمي.
إلى ابنتي زينب.
ارتجفت يداي وأنا أفتحه.
وفي الداخل وجدت رسالة طويلة.
بدأت بعبارة واحدة جعلت الډم يتجمد في عروقي
يا ابنتي... إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني رحلت قبل أن أكمل ما اكتشفته.
وتحتها مباشرة...
قائمة بأسماء.
وتواريخ.
وصور لمستندات رسمية.
وأوراق تثبت أن مجموعة من الأشخاص كانت تحاول الاستيلاء على أرض كبيرة تخص أهل القرية باستعمال أوراق مزورة.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الأسماء.
بل في