رواية كامله


وإن كل الأسرار اتكشفت خلاص، لكن اللي اكتشفته بعد كده خلاني أفهم إن بعض الحكايات مبتخلصش بمجرد ما نعرف الحقيقة، لأن الحقيقة نفسها أحيانًا بتكون مجرد باب لحقيقة أكبر. مرت شهور على رجوعي لهالة، وبقينا قريبين من بعض بشكل عمرنا ما كنا عليه قبل كده. بقيت أناديها هالة قدام الناس، لكن جوايا كان فيه إحساس جديد، إحساس إني كل ما أبصلها بشوف أمي الحقيقية. كانت بتفرح بأي مكالمة مني، وكنت بحس إنها بتحاول تعوض كل السنين اللي ضاعت وهي مضطرة تخبي مشاعرها. وفي يوم من الأيام، وأنا بنضف الصندوق المعدني القديم للمرة المليون تقريبًا، لقيت حاجة غريبة جدًا. كان فيه تجويف صغير في قاع الصندوق عمرنا ما لاحظناه قبل كده. ضغطت عليه بالصدفة، فخرج درج سري صغير جدًا. قلبي بدأ يدق بسرعة. جواه كان فيه مفتاح نحاسي قديم، ومظروف أصفر مكتوب عليه بخط أمي لا يُفتح إلا إذا عرفَت سارة الحقيقة كاملة. وقتها حسيت بقشعريرة في جسمي كله. ناديت هالة فورًا. أول ما شافت الخط عرفت إنه خط أمي فعلًا. فتحنا المظروف مع بعض وإيدينا بترتعش. كان جواه جواب طويل جدًا. أمي كانت كاتباه قبل ۏفاتها بسنوات. بدأت أقرأ بصوت مرتعش، وكل كلمة كانت بتفتح چرح جديد. أمي كتبت إن السر اللي عرفناه عن ولادتي مش هو السر الوحيد. وكتبت إنها أخفت حاجة أخطر بكتير طول عمرها لأنها كانت خاېفة علينا كلنا. كملت القراءة وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع. قالت إن جدي قبل ۏفاته بشهور اعترف لها بحاجة ماحدش كان يعرفها. البيت الكبير اللي اتربينا فيه في القرية، والأرض الزراعية اللي كانت العيلة كلها فاكرة إنها اتباعت من سنين، الحقيقة إنها ما اتباعتش أبدًا. جدي خبّى عقود الملكية في مكان سري لأنه كان عارف إن أولاده هيتخانقوا عليها بعد مۏته. وكتب في وصيته إن الأرض والبيت يرجعوا لصاحب الحق الحقيقي يوم ما تتكشف الحقيقة كلها. بصيت لهالة وقلتلها يعني إيه صاحب الحق الحقيقي؟ كملنا الجواب. وكانت الصدمة الجديدة. جدي كان عارف إني حفيدته الحقيقية، وقرر يسيب كل الممتلكات باسمي أنا. مش عشان يحرم أولاده، لكن لأنه كان شايف إن كل واحد منهم أخد نصيبه في حياته، بينما أنا اتولدت وسط ظروف حرمتني من حقي الطبيعي في معرفة هويتي. فضلت أبص للكلام وأنا مش مستوعبة. لكن الجواب كان لسه مخلصش. أمي كتبت إن المفتاح اللي لقيناه بيفتح خزانة قديمة موجودة في البيت المهجور بالقرية. وإن داخل الخزانة مستندات وأوراق هتفسر كل حاجة. بعد أيام قليلة، سافرنا أنا وهالة للقرية. البيت كان مقفول بقاله أكتر من عشرين سنة. التراب مالي كل مكان، والريحة القديمة رجعتلي ذكريات طفولتي. دخلنا أوضة جدي القديمة. وبعد
ساعات من البحث لقينا الخزانة فعلًا وفتحناها بالمفتاح. جواها كانت المفاجأة الأكبر. ملفات كاملة. عقود أراضي. حسابات بنكية. ومستندات تثبت إن جزءًا ضخمًا من ثروة العيلة كان لسه موجود. لكن وسط الأوراق لقينا صورة لرجل غريب. ولقيت رسالة مكتوب فيها اسم ماعرفوش. سألنا كبار البلد عنه، واتضح إنه كان شريك جدي زمان. الرجل ده ماټ من سنين، لكن ابنه كان لسه عايش. لما قابلناه، حصل شيء غريب جدًا. أول ما شاف صورتي سكت فجأة. وبعد دقائق قال جملة هزتني من جوايا إنتي شبه ست تانية شفتها من أكتر من تلاتين سنة. بدأ يحكي إنه كان يعرف أمي وهالة وقت أزمة الحمل القديمة. وقال إن ليلة ولادتي حصلت أحداث ماحدش يعرفها غير عدد قليل جدًا من الناس. وقتها حسيت إن في سر جديد بيتفتح. حكى إن هالة أنجبت توأم، مش طفلة واحدة. اتجمدت في مكاني. هالة نفسها شهقت وقالت إنه مستحيل. لكنه أخرج دفتر مذكرات قديم كان والده محتفظ بيه، ومكتوب فيه تفاصيل الولادة. التوأم الثاني اختفى في ظروف غامضة بعد ساعات من الولادة. في اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا. هالة كانت پتبكي وهي تردد إنها عمرها ما عرفت الكلام ده. والدفتر كان واضح جدًا. طفلتان وُلدتا في نفس الليلة. واحدة عاشت مع العائلة وأصبحت سارة. والثانية أخذتها امرأة مجهولة وغادرت قبل الفجر. رجعنا القاهرة وإحنا مش قادرين نفكر في أي حاجة غير السؤال الواحد فين البنت التانية؟ وهل هي عايشة أصلًا؟ بدأت رحلة بحث استمرت شهور طويلة. قلبنا سجلات قديمة وسألنا ناس كتير جدًا. وفي كل مرة كنا بنقرب خطوة، كنا بنكتشف إن فيه حد تعمد يخفي الحقيقة. وفي يوم وصلتني مكالمة من سيدة في الإسكندرية. قالت إنها شافت إعلان البحث اللي نشرناه. وقالت إن عندها معلومات مهمة. سافرت فورًا أنا وهالة. وهناك بدأت خيوط جديدة تظهر. خيوط كانت بتقودنا لشخص عاش طول عمره من غير ما يعرف هو مين فعلًا. شخص كان بيبحث عن عيلته الحقيقية بنفس القدر اللي كنا بندور عليه. وفي اللحظة اللي بدأنا نحس إننا قربنا من الحقيقة الأخيرة، وصلنا ظرف مجهول تحت باب شقتي. الظرف كان جواه صورة حديثة لامرأة في الثلاثينات تشبهني بشكل مخيف، ومع الصورة ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط مجهول لو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة... ابحثوا عن ليلى قبل فوات الأوان. وقتها بصيت لهالة، ولأول مرة من يوم ما عرفت إنها أمي، شفت الخۏف الحقيقي في عينيها. لأننا أدركنا إن القصة اللي بدأت بسړقة فلوس من درج في شقة بمدينة نصر لسه ما انتهتش... وإن السر الأكبر ربما كان لسه مستنينا في مكان ما.