رواية لأجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر 1-26


إلى محيط المنزل الكبير وفي طريقهما إلى صعود الدرج الرخامي نحو المدخل كانت مزيونة تسبق اعتماد التي كانت منشغلة بقراءة إحدى الرسائل على هاتفها فلم تنتبه لأحدهم وهو يغسل سيارته منهمكا فيلقي بدلو الماء لغسلها من الصابون فانتقلت إليها المياه من تلك المسافة القريبة إلي حد ما إلى حجابها ووجهها وظهرت بعض البقع على بلوزتها لكن الضرر الأكبر كان في الهاتف.
شهقة بصوت عال صدرت منها وهي تلتف نحو الجهة المعادية فلفتت إنتباه الأخر ومزيونة التي عادت راكضة لتجد الذهول مرتسم على وجه خليفة الذي شعر للتو بخطئه فتلقى جزاءه بصيحة غاضبة 
إنت... إنت... إنت عميت!
استفاق خليفة من ذهوله بعد سبتها ليملك زمام أمره ويرد عليها بقوة 
إيه يا أخت أنتي نجي كلامك واعرفي بتكلمي مين قبل ما تغلطي! شايفاني عيل صغير جدامك ولا هفية
نظرت إلى هاتفها الذي أظلم فجأة تحاول مسح الماء عنه مرددة بنبرة مخټنقة 
لا شايفاك إنسان مهمل ومعندكش نظر! ألحق على هدومي اللي اتبلت ولا التليفون اللي فصل مية ونور!
حاولت مزيونة التخفيف عنها ومسحت الهاتف بشالها ربما يأتى بنتيجة فنطقت مخاطبة خليفة 
اعذرها معلش. أنا نفسي اتخلعت من المية اللي اتدلجت ورايا.
لم يكن أعمى حتى لا يرى بعينيه سكوتها المفاجئ وحزنها على الهاتف فبرر بتوتر نحو مزيونة 
أيوه بس أنا ما كنتش جاصدها يعني! أنا حتى ما خدتش بالي إنكم داخلين...
إيه الحكاية
جاء التساؤل هذه المرة من خلفهم من حمزة الذي ترجل من سيارته بالقرب منهم أتى كعادته خلف تلك العنيدة والتي انتفضت لرؤيته وتولت مهمة الرد عنهما 
لا حكاية ولا رواية فضت على كده وخلصت تعالي يا حبيبتي يلا نطلع عند ليلى يمكن تعرف فيه.
وسحبتها تهرول بها سريعا من أمامه فتابعهما قليلا ثم انتقل ببصره إلى شقيقه الذي قال بحنق 
أهي نصايب وبتطب علينا من حيث لا ندري. جاعد في حالي وبغسل العربية أبص ألاقي المية ڠرقت صاحبتنا دي وتليفونها وبتقولي فتح يا أعمى! يمين تلاتة لولا إنها حرمة ما كنت عتجتها النهاردة.
أومأ حمزة واضعا كفه على فمه في استيعاب ليعقب بوجل 
ومالاجتش غير الحزينة دي وتشبط معاها ېخرب مطنك!
............................
في مكان آخر
فتح باب السچن العمومي ليخرج منه إلى العالم الواسع الذي حرم منه لعدة شهور. رفع بصره إلى السماء وصفائها المبهر ثم أنزل نظراته إلى الأرض التي يخطو عليها بحرية ذاهبا نحو ما يشاء لا يمنعه الآن حارس ولا قضبان.
بلعبة صغيرة فعلها مع ذلك الأحمق استطاع أن يخفف مدة الحبس لأقل ما يمكن. ضحك بسخرية حين تذكر دعوته له لزيارته...
هل يظنه بالسذاجة التي تجعله يأمن مكره
لكن لا بأس سيجد الطريقة للتعامل معه لاحقا أما الآن فعليه أن يعود لينظم أوراقه ويستعيد نشاطه...
من أجل من كانت السبب في حپسه.
مزيونة... الحرة الجميلة.
............................
في منزل عرفان
كان جالسا على العتبة الرخامية في مدخل منزله يتلقى خبرا عبر الهاتف من أحدهم. عيناه شاردة نحو الحديقة الجانبية الصغيرة تتأملان الأرض الطينية الجافة التي تأثرت بهجر صاحبتها لها بعد أن كانت مملوءة بشتى أنواع الخضروات التي يحتاجها البيت.
وهو كالغبي لم يشعر بقيمتها سوي الآن بعد رحيلها.
ألهذه الدرجة كان أعمى عن كل ما هو جميل حوله
ماشي يا عيد زي ما جولتلك جيبلي أخباره أول بأول الحزين ده ماشي... تمام اجفل من عندك.
أنهى المكالمة التي شتتت تركيزه
قليلا وزفر پاختناق.
كل شيء من حوله بات قبيحا...
وعلى ذكر الأخيرة حضرت زوجته التى بات يراها كالحرباء التي كانت مصدر الخړاب لحياته السعيدة تقترب بوجه متجهم تضم كوب الشاي الساخن الذي أمر به دون أن تنطق ببنت شفة مما استفزه ليمسكها قبل أن تغادر 
حتى الحاجة الوحيدة اللي قدرت تسيبهالك ما قدرتيش تحافظي عليها حوضين الخضرة كانوا هيتعبوكي في رشهم ولا سقيهم لكن أقول إيه... مفيش فايدة من الكلام أصلا.
تطلعت صفا قاطبة الحاجبين نحو ما يشير لتستدرك مقصده سريعا فتشتد خطوط وجهها بغل إكتسحها وردت عليه 
دا على أساس إنه كان هامك انت كمان ولا عمرك حتى بصيت عليهم!
يالا بقى بجملة ما انت محملني كل نصايب حياتك جات على دي
بس أنا برضو مش هكش ولا هأنكر!
أيوه يا عرفان... كل الخضرة اللي سابتها المحروسة بعد ما هجت واتطلقت منك سيبتها من غير سقي ولا مراعية لحد ما ماټت واتكنست بالمجشة كمان!
عارف ليه
عشان أنا معمرش زرعة غيري... خصوصا زرعتها هي!
تفوهت الأخيرة بفحيح وغل أثار اشمئزازه حتى لم يعد يحتمل رؤيتها فنهرها بازدراء 
طب غوري! غوري من وشي! مش طايق أبص في وشك حتى!
...........................
عودة إلي المنزل الكبير
حيث كان معاذ منهمكا بجدية في فحص هاتف الأستاذة اعتماد أثناء تدريسها لزوجته بينما كانت ترمقه بطرف عينها من وقت لآخر دون أن تعلق بكلمة واحدة.
أما مزيونة فلا تكف عن السؤال وحثه برجاء رغم يأسها من إصلاحه 
شوفه زين يا معاذ أكيد في طريقة لفتحه!
تنهد معاذ بنظرة خاطفة نحو إعتماد ثم عاد ليهمس لها بحذر.
ما أنا بحاول والله وعملت كل حاجة ومفيش فايدة... عامل زي المېت اللي ۏجع فجأة ومحطش منطج.
يا ساتر يا رب... وبعدين
همست بها مزيونة أيضا بصوت بالكاد يسمع 
لكن رغم ذلك وصل إلى اعتماد والتي ردت وهي منكفئة على الكتاب دون أن ترفع عينيها 
لا بعدين ولا جبلين يا مزيونة... باظ ولا غار في داهية حتى مش فارقة... وفروا تعبكم لحد كدة!
التوى ثغر مزيونة تتبادل النظرات مع معاذ بحرج حتي إنتقل إلي ليلى هي الأخري التي لم تجرؤ على التدخل كي لا تزيد الطين بلة.
كان الحزن يكسو وجهها فهي تشعر بحزن معلمتها القوية التي تكتم عن قصد لا تريد إظهار ضعفها أمامهم وتدعي عدم الاكتراث في شرح لها بعض الفقرات وهي تدعي الفهم.
استمرت محاولات معاذ في إصلاحه حتى يئس تماما يعلل السبب في عدم معرفته بنوع الصناعة ليتركهن وينزل إلى الأسفل ليجد شقيقيه في إنتظاره بحضور والدته وهالة التي استقبلته ساخرة 
لا تكون كنت بتاخد درس مع مرتك كمان يا معاذ
رد بابتسامة صفراء 
بس لو تبطلي خفة دمك دي شوية عنينا يا هالة.
ضحكت دون اكتراث فيما رمقها زوجها بامتعاض
وتوجه بالسؤال نحو معاذ بنوع من التوتر 
ما أنت بصراحة اتأخرت صح النهاردة ودي مش بعادتك يعني.
جلس معاذ وزفر بأسف ثم أجاب 
ما أنا كنت بحاول في تليفون أبلة اعتماد عشان يفتح بس للأسف معرفتش خالص.
علق خليفة علي قوله بعصبية 
انت اللي معرفتش ولا هو اللي معجرب
صمت معاذ وردت عنه والدته بحرج 
يا دي الكسوف! وما يجيش غير في وشنا!
تدخلت هالة وقد تابعت الحوار بانفعال 
وتاجي في وشنا ليه إن شاء الله! واحدة تليفونها بايظ من الأول ولا هي تماحيك وخلاص دول ماكانوش نجطتين مية!
تحول توتر خليفة إلى حنق شديد نتيجة قولها فنهض نافضا جلبابه بضجر وعدم تحمل 
يا بوووووي على كلامك التجيل إنتي كمان! أنا جايم وماشي!
وغادر الجلسة وسط نظرات الأسف من والدته وإخوته بينما مصمصت هالة شفتيها في أثره بعدم رضا مما استفز حمزة الذي صرف نفسه عنها بالحديث مع أخيه الأصغر 
وانت يا أستاذ مش ناوي ترجع شغلك وشي بجى في الأرض منك!
وكأنها فهمت عليه لتقرر تحديه في التدخل بهذا الأمر أيضا بسخريتها 
لا ما هو... هيخاف يمشي ويسيب المدام الحامل لوحدها!
حدجها حمزة بنظرة ڼارية متجنبا الرد عليها بينما زفر معاذ ثم قال مطمئنا 
متجلجلش يا حمزة... أنا مظبط أموري مع رئيسي في الشغل وعلى العموم خلاص... كلها بكرة ولا بعده وارجع إن شاء الله.
حرب باردة... هذا هو الوصف الصحيح لما يدور بين الاثنين.
حمزة الذي واصل الحديث مع شقيقه ووالدته متعمدا تجاهلها وتجاهل نظرتها المصوبة نحوه.
لقد أصبحت تحفظه عن ظهر قلب هذا المتيم لا يكتفي بجيرته لتلك المزيونة حتى يأتي خلفها يوميا كل ما جاءت إلى هنا.
يتلهف لكل لفتة منها ولا يخجل من النظر إليها أمام الجميع!
من كان يصدق أن تلك الأفعال تصدر من حمزة... إبن عمها الذي كان يصنع لنفسه هالة من الهيبة تبعث الرهبة في القلوب بمجرد رؤيته
ذلك الذي كانت تراه مغرورا أصبح في حضور تلك المزيونة كالطفل الصغير...
وطبعا هي لا تقصر في مشاغلته والحجة مساعدة ابنتها!
حتى منزلهم أصبح مرتعا لها وللغرباء الذين تأتي بهم كتلك المدرسة المچنونة... لكنها لن تسكت لهما أبدا!
تبسم وجهها فجأة مع القدوم المفاجئ لزوجته الأولى برفقة ابنه ريان الذي دلف مهللا إليهم 
شوفت أمي جابتلي إيه يا بوي البلايستيشن اللي جولتلك عليه قبل كده!
انتشت في داخلها وهي تراقب رد فعل حمزة الذي نهض عن مقعده بشحوب يستقبل والدة ابنه ثم علق قائلا 
ومالك فرحان جوي كده هي أول مرة تجيبه البلايستيشن مكنش ليه لزوم التعب يا روان...
مسحت على شعر صغيرها لتتولى الإجابة عنه وعن نفسها 
ربنا ما يحرمه منك أكيد أنت مكفيه من كله بس أنا أمه وحقي أجيب له كمان... النوع ده مختلف شوية هو كان كلمني عنه وحبيت أعملهاله مفاجأة.
ده ابني يا حمزة وأنا عايزة أعوضه على قد ما أقدر.
مهما كنت أنت حنين أو أهلك كلهم محدش فيهم يقدر يسد مكاني.
أومأ لها بصمت دون تعليق يتركها تلتقي بباقي العائلة وبداخله تغير غير مفهوم...
روان العملية تلك اللغة جديدة عليها.
يتسرب داخله شيء ما يجعله يشك في قربها المتزايد وقدومها المتكرر هذه الأيام لأخذ ريان...
كلها أشياء تؤكد له وبشكل قاطع صدق الظنون التي تنهش رأسه...
.......................
راقبتها من مكانها وهي مستندة بمرفقيها على السور الرخامي لشرفتها تتبعها بعينيها وهي تغادر المنزل الكبير أخيرا تتحدث مع تلك المدعوة اعتماد التي تذهب أيضا معها.
ركزت بأبصارها جيدا عليها جميلة لا تنكر لكنها لن تزيد عنها بالتأكيد. بالإضافة إلى أنها امرأة مطلقة تحوم حولها المشاكل والمصائب أينما حلت.
أما هي... لقد كانت وما زالت جميلة العائلة ومع ذلك رفضها!
رفضها وفضل عليها تلك المدعوة روان لتكون أول طعڼة غادرة تتلقاها منه.
منذ أن خلقت وهي تحفظ اسمه قبل أن تحفظ الكلمات هالة لحمزة وحمزة لهالة.
نشأت وترعرعت على أنه لها وأنها لن تكون لأحد غيره.
كل الرجال كانوا سواء في نظرها هم في كفة وحمزة وحده في كفة.
ومع ذلك لم ير ولم يقدر الحب الكبير الذي كانت تحمله له.
تنهدت بحرارة خرجت من صدرها كالصهد أغمضت عينيها بقوة وقد استعادت تلك الذكرى المڈلة حين خرجت عن أدبها المعتاد بعد صډمتها بالخبر الأسود لتواجهه دون خجل 
ليه رفضتني يا حمزة
صدر صوتها بقوة أجفلت الحصان الذي كان ينظف حافره حتى انتفض متراجعا فكاد أن يؤذي حمزة لولا حرص الأخير ليلقي ما بيده أرضا ويلتفت إليها متجهما يوبخها 
إنت اټجننتي يا بت جاية ورايا هنا عشان تقوليلي الكلام ده
لم تكترث بغضبه بل دفعها شعور الإهانة الذي كان يكتنفها إلى أن تتقدم منه أكثر إلى