السبت الذي أعاد ابنتيّ إلى الحياة


بكلمات يائسة لا يسمعها أحد وكيف كان يعود إلى منزله الخالي كأنه يحمل حجرا في صدره لا يعرف كيف يزيحه.
واليوم لم يشعر إلا بخفة غريبة خفة لم يعرفها منذ سنوات كأن حملا كان مستندا على كتفه سقط فجأة دون أن يدري.
رفع بصره نحو طفلتيه من جديد.
لم تكونا مجرد ابنتين تلعبان كانتا رمزا لما يستطيع الحب والصبر أن يصلحاه حتى بعد أن ينهار كل شيء.
كانتا تتنفسان تنموان تتعافيان
وكذلك هو.
بل ربما كان يتعافى من خلالهما شيئا فشيئا حتى دون أن ينتبه.
بعد لحظات نهض من مكانه بخطوات هادئة ودخل المنزل. كان البيت دافئا برائحة الخبز الذي أعدته الخادمة صباحا وبصوت الموسيقى الخاڤتة التي تملأ أرجاء المطبخ. صعد الدرج ببطء وتوجه نحو غرفة المكتب التي لم يدخلها كثيرا في السنوات الأخيرة.
فتح أحد الأدراج القديمة ذلك الدرج الذي ظل مغلقا لوقت طويل لأنه يحمل ما لم يجد يوما الشجاعة لفتحه.
كان ممتلئا بأشياء صغيرة احتفظ بها خلال فترة الحزن صور التوائم شرائط شعرهما بطاقات صغيرة كتبتا عليها بخط طفولي وبعض رسوماتهما.
وفي زاوية الدرج وجد الورقة التي كان يبحث عنها
إيصال شراء الزنابق البيضاء.
كان الإيصال قد بهت لونه وحروفه تلاشت قليلا لكنه كان دليلا على مرحلة كاملة من حياتهمرحلة عاشها بقلب مكسور وأسند فيها روحه على عادة هشة ظن أنها تحميه من الاڼهيار الكامل.
أمسك الورقة بيده وشعر بأن ثقلا قديما يصعد من صدره إلى حلقه ثم يختفي فجأة وكأنه كان يحمل هذا الألم في داخله دون أن يعرف أنه ما يزال هناك.
مزق الإيصال ببطء قطعة بعد قطعة حتى امتلأت يده بالقصاصات البيضاء الصغيرة.
تركها تسقط لا على الأرض فقط بل من ذاكرته أيضا.
تهوي كرماد فصل طويل انطوى أخيرا.
وقفتا آفا وليلي عند باب المكتب تنظران إليه باستغراب.
اقتربتا بفضول طفولي وسألته ليلي بصوت خاڤت
ماذا كنت تفعل يا أبي
نظر إليهما بابتسامة مطمئنة لم يبتسم مثلها منذ زمن بعيد.
كنت أغلق الباب الأخير من الماضي.
أمسكت آفا بيده وقالت بجدية طفلة تجاوزت عمرها بالكثير من التجارب
هل انتهى الحزن يا أبي
انحنى نحوها لمس شعرها برفق وقال بصوت دافئ يشبه الضوء
لم ينته لكنه لم يعد يحكمني.
خرجت الطفلتان تركضان نحو الحديقة من جديد وتركتاه واقفا في المكان يشعر بأن الهواء أصبح أخف وأن قلبه ينبض بطريقة جديدةنابضة بالحياة لا بالذكريات.
تبعهم بعد دقائق وجلس من جديد قرب المسبح يراقبهما وهما تغمسان أقدامهما في الماء وتضحكان بلا خوف.
وفي داخله أدرك أن الحياة ليست شيئا يستعاد دفعة واحدة
بل تبنى من جديد خطوة خطوة بابتسامة هنا وضحكة هناك وقرار صغير بأن الغد يستحق فرصة أخرى.
وفي ذلك اليوم في ظهيرة سبت صافية فهم مايكل شيئا لم يفهمه طوال سنوات
أن الإنسان لا يتعافى عندما ينسى الألم
بل عندما يجد شيئا أقوى ليعيش من أجله.
وكان ذلك
الشيء أمامه مباشرةطفلتين عادتا من المۏت المزعوم ليعيداه هو من مۏت آخر مۏت داخلي طال أكثر مما ينبغي.
وهكذا لم يعد الماضي قيدا ولا المقپرة بيتا لروحه بل مجرد صفحة طويت.
وما بقي من حياته كان ينتمي بالكامل للأحياء وللضحك الذي يملأ الحديقة وللقلوب الصغيرة التي أعادته إلى الحياة مرة أخرى.