ما وراء الهدوء بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

ما وراء الهدوء بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
قال زوجي إنه مسافر في رحلة عمل وكالعادة لم أشك كثيرا.
قبل جبيني حمل حقيبته وأغلق الباب خلفه بهدوء مبالغ فيه.
وفي اللحظة التي استقر فيها صوت القفل داخل أذني تغير كل شيء.
كنت واقفة في المطبخ أرتب الأكواب وأفكرفي مهامي اليوميه حين شعرت بيد صغيرة تشد معصمي بقوة لم أعهدها. الټفت فوجدت ابنتي تقترب مني بخطوات حذرة وكأن الأرض نفسها قد تصبح خطړا.
قالت بصوت منخفض متكسر لا يشبه صوت الأطفال
ماما إحنا لازم نهرب. دلوقتي دلوقتي .
ابتسمت لا إراديا. ظننتها مزحة أو كابوسا لم تستفق منه بعد.
ابتسمت إلى أن دوى صوت القفل وهو يستقر في مكانه فأحسست أن شيئا ما انغلق داخلي أيضا.
لم أكن أعلم أن حياتي ستنقسم إلى ما قبل تلك اللحظة وما بعدها في صباح خميس هادئ تفوح فيه رائحة القهوة والليمون وكل شيء يبدو طبيعيا حتى لم يعد كذلك.
كان شريف مبتهجا أكثر مما ينبغي لرجل اعتاد الرحيل. قال إنه سيعود مساء الأحد ولوحت له من النافذة محاولة تجاهل ذلك الثقل الغامض الذي استقر في صدري.
لم أكن أعرف أن تلك كانت آخر لحظة طبيعية في حياتنا.
بعد نصف ساعة دخلت ملك ابنتي تمشي على أطراف أصابعها. بيجامتها متجعدة شعرها منفوش وأصابعها الصغيرة تعصر طرف قميصها كما لو كانت تمسك سرا أثقل من عمرها.
رفعت رأسها نحوي وقالت بصوت خاڤت قديم لا يخص طفلة
ماما لازم نهرب. دلوقتي.
توقفت يدي فوق الحوض والمعلقة معلقة بين الهواء والماء.
نهرب ليه يا حبيبتي
هزت رأسها بسرعة والدموع تلمع في عينيها.
مافيش وقت لازم نمشي من هنا حالا.
سرت قشعريرة باردة في ظهري.
ملك إنت سمعتي حاجة حد خۏفك
تشبثت بمعصمي بيد صغيرة مرتعشة وقالت بصوت لا يشبهها
سمعت بابا بالليل كان بيكلم حد في التليفون. قال إنه خلاص هيخرج بدري وإن النهاردة النهاردة اللي هيحصل فيه كل حاجة. وقال مش لازم نكون هنا لما يخلص.
تجمدت في مكاني.
صوت المياه الجارية غطى على دقات قلبي أو ربما كانت دقات قلبي هي التي صارت أعلى من كل شيء.
ملك طفلتي التي لم تعرف الكذب يوما تقول إن أباها يخطط للتخلص منا.
كان الكلام أثقل من سنها وأثقل من قدرتي على الفهم.
ركعت أمامها وأمسكت وجهها بين كفي.
حبيبتي إنت سمعتي إيه بالظبط
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت
قال في التليفون محدش هياخد مني حاجة لا مراتي ولا البنت. خلاص الموضوع هيتقفل النهاردة.
سقطت المعلقة من يدي وارتطمت بالسيراميك بصوت حاد.
شهقت ملك والتفتت حولها پذعر كأن الظلال نفسها صارت ټهديدا.
قالت وهي تقترب أكثر
ماما هو قال إنه هيمشي من البيت بدري عشان محدش يشك وإنك هتكوني لوحدك.
وفي تلك اللحظة أدركت أن البيت الذي عشت فيه سنوات لم يعد بيتا
وأن الهروب لم يعد