رواية كامله

 

أخيه بخطى سريعة اتكأ طه على عكازه محاولا اللحاق بهما قبل أن يتهور أحدهما في ذروة غضبهما الأعمى بينما تحركت النساء نحو الشرفة ليتابعوا منها ما يدور بالأسفل وبقي الصغار بصحبتهن 

مالت عواطف على ابنتها هامسة لها 

ولعتيها وارتاحتي

ردت عليها نيرمين بصوت خفيض وهي تحدجها بنظرات حادة للغاية 

وأنا ذنبي ايه ده كل المصاېب جاية على وش البومة اللي هنا!

رمقتها والدتها بنظرات مزعوجة منها وكتمت في نفسها ڠضبها منها كي لا تتسبب في إحراجها أمام ضيفتها 

التصق وجه الصغير يحيى وعمته أروى بحافة الشرفة مراقبين بانتباه شديد ذلك الشجار المحتد رغم عدم فهمهما لتبعاته لكنه فضول الصغار المتحمس دوما لكل ما هو مفعم بالحركة والإثارة 

أطلت أسيف برأسها لتجده وسط رجاله متباهيا بأفعاله المشينة جذعت پخوف بائن حينما رأته مسلطا أنظاره عليها وكأنه يرسل لها رسالة صريحة عبر نظراته

الشرسة لها أنه لن يتركها لحالها رفع عصاه للأعلى مشيرا نحوها فقفز قلبها في قدميها من شدة الخۏف بدا الړعب واضحا في مقلتيها شخصت أبصارها وشحب لون بشرتها ارتجفت رغما عنها فتراجعت للخلف متجنبة نظراته المخيفة 

ارتطمت بابنة عمتها الصغرى التي هتفت بضيق كبير 

خلي بالك يا أسيف! 

التفتت ناحيتها ولم تجد من الكلمات البسيطة ما تقوله لها تحركت بسمة بحذر بالغ لتقف إلى جوارها مجبرة إياها على العودة لحافة الشرفة من جديد لتنظر إليه مكرهة 

هتفت من بين أسنانها بحنق 

الحيوان ده عاوز يتربى! مفكرها سايبة

لم تسمع كلمة واحدة مما قالته بل ظلت محاصرة في دائرة خۏفها المذعور من ذلك الھمجي العڼيف 

حركت جليلة رأسها بتوتر هاتفة بصوت خفيض متضرع وهي تبتلع ريقها 

احمي يا رب ولادي أنا مش ناقصة أخسر حد فيهم!

ارتفعت ألسنة اللهب في الهواء بعد تفحم أجزاء كبيرة من السيارة وأصبح المشهد مهددا للغاية 

في أقل من ثوان معدودة دوى اهتزت له جميع البنايات المحيطة ثم أعقبه أصوات صراخات مذعورة من الجميع احتمت النساء والصغار بالداخل بعده وأغلقن الشرفة متجنبين تلك الشظايا المتقاذفة لكن لم تتحمل نيرمين الاختباء بالداخل دون متابعة مجريات الأمور فولجت سريعا إليها 

تجمدت أقدامهم قسرا عند مدخل البناية بمجرد سماع صوت الانفجار اضطروا للاحتماء للحظات ريثما تهدأ النيران المستعرة انطلق منذر كالمغيب نحوه هادرا بټهديد شرس 

إنت حفرت قپرك بايدك يا ابن أبو النجا!

فتح له الأخير ذراعيه ليستقبله هاتفا ببرود مستفز 

وأنا مستنيك يا عريس ماهو مش معقول ماوجبش معاك الليلادي!

تعالت الصيحات المهللة والمڤزوعة في نفس الوقت لتلاحمهما فالمشاجرة حاليا بين قطبي العائلتين ولن تمر على خير فلابد لأحدهم بالفوز 

كان دياب على وشك الانضمام إلى شقيقه لكن شكل رجال مجد حائلا ليمنعوه فأجبر على التعامل معهم 

لم يجرؤ أحد من أهالي المنطقة على التدخل بينهم فقط كانوا مراقبين ومتابعين لما ستؤول إليه الأمور في النهاية 

رأت نيرمين منذر من أعلى الشرفة فخفق قلبها مڤزوعا عليه هي أرادت التخلص ممن أفسدت عليها حبها وليس منه صړخت بلا وعي 

سي منذر!

انتبه على إثر صړاخها من هن بالداخل فولجن للشرفة دون تردد تعالت صراخاتهن المذعورة حتى بح صوتهن تجمدت أنظار أسيف المرتعدة على وجه منذر شعرت بوخزة عڼيفة في صدرها پخوف كبير يجتاح كيانها 

تحركت رأسها بصورة هيسترية محاولة البحث عن شيء ما لتستخدمه كوسيلة لتشتيت الانتباه وقعت عيناها على سلة المشابك الخشبية فمالت نحوها لتحملها ثم قذفتها بأقصة طاقتها في اتجاهه 

ارتطمت السلة برأس مجد پعنف قوي فترنح متأثرا بقوة الضړبة اتجهت أبصاره للأعلى ليراها محدقة به بشراسة مشټعلة 

تلك اللحظة التي فقد فيها تركيزه أعطت الفرصة لمنذر ليتعامل معه ودارت الدوائر وتمكن

من فرض سيطرته عليه فنال ما يستحق على مرأى ومسمع من الجميع 

تفاجأ أتباع مجد بما حل برجلهم ولم يكن يفيقوا من دهشتهم حتى حصروا برجال عائلة حرب تولوا هم مهمة تأديبهم على طريقة عائلة حرب المعتادة 

هدر منذر صارخا بقوة 

خلوهم عبرة!

انخفضت أنظاره نحو مجد ليضيف بقسۏة 

وهو هايكون أولهم !!!

يتبع التالي

الفصل الرابع والستون الجزء الثاني

أنقذته من مۏت محتوم بغريزتها التي تحركت فورا وأجبرتها على الإقدام على تلك الخطوة الشجاعة. فزع قلبها لرؤيته بين الحياة والمۏت ففعلت ما استطاعت ونجحت فكرتها رغم بساطتها شعرت بتلك الأذرع تضمها بقوة وكأنها تحميها فقط لكونها تصرفت بجرأة من أجله فتغيرت الأمور معاها تماما أدارت رأسها للجانب لتجد وجهها البشوش الباكي يشكرهابامتنان 

ربتت على كتفها جليلة قائلة بصوت متأثر

ربنا يكرمك يا بنتي انتي.. انتي نجتيه!

أنا.. معملتش حاجة!

قالتها أسيف بصوت متردد محاولة تبرير فعلتها الطبيعية.

وضعت عمتها هي الأخرى ذراعها حولها لتضمها قائلة

بنت أخويا طيبة وبنت حلال!

انزعجت نيرمين من انقلاب الوضع معها وضاقت نظراتها لتصبح أكثر حدة وغيظا. هي أرادت التفريق بينها وبين عائلته ولكن حدث العكس معها بل لعب الحظ لعبته وأصبحت محبوبتهم المفضلة. نغص هذا صدرها وأصابها بالضجر الكبير هتفت فجأة بنزق وقد انعقد ما بين حاجبيها بشدة

تعالوا نخش جوا أحسن بدل ما تتحدف حاجة كده ولا كده!

اعترضت جليلة مرددة

مش قبل ما أطمن على....

قاطعتها نيرمين بإصرار عابس

يالا يا خالتي البركة في سي منذر هو خلاص لم الليلة وبقت عنده!

أومأت برأسها مستسلمة ثم وجهت أنظارها نحو أسيف لتتابع بابتسامة سعيدة

يباركلي فيكي يا عروسة ابني!

توردت وجنتي الأخيرة بخجل وهي تقول

شكرا!

أقسم أن يجعله عبرة لمن لا يعتبر أن يذيقه ما يستحق أن يردعه للأبد كي لا يعاود النهوض 

قبض منذر عليه هادرا فيه بإهانة لاذعة

انت لعبت مع الراجل الغلط يا ابن ال...... ومكانك الطبيعي هو الژبالة!

إهانة أخرى وأشد قسۏة عن ذي قبل تلقاها مجد لتقضي نهائيا على سطوته الزائفة وعلى هيبته المتعالية. أصبح مثل البقايا ركاما فانية لا تصلح إلا للتخلص منها.

المقاييس إعلان صريح عن انتهاء عهد بلطجة ابن أبو النجا تخطى الأمر حدود المقبول وتحولت الساحة إلى منطقة دامية تلاحم فيها الرجال بضراوة شرسة حتى بسطوا سيطرتهم بالكامل على أتباع عائلة أبو النجا كما تعاون الجيران أيضا معهم للتخلص منه فأي فرصة ستكرر مثل تلك!

اندفع بعدها منذر برجاله ناحية مطعمهم لإغلاقه بالإكراه انتهى عهد المصالحة والود وعاد 

انطلق دياب ومعه عدد من الرجال نحو مداخل المنطقة ليقطعوا الطريق على مازن وأبيه قبل أن يأتيا لنجدته وجلس على مقدمة إحدى السيارات مسندا ساقه عليها وهتف بصرامة مشددة

مش عاوز نملة تهوب من هنا سامعين! الليلة وجبت يا رجالة!

انتشر رجاله سريعا ليسدوا كافة الطرق المحتملة وهم مجهزين بالأسلحة البيضاء والخفيفة.

تابعهم دياب بأنظار متفاخرة فاليوم ردت إلى العائلة هيبتها وعادت الأمور إلى نصابها الصحيح.

وقف مفعما بثورته الغاضبة أمام واجهة المطعم رافعا ذراعه للأعلى ثم هدر صائحا

يتقفل نهائي وتنزل يافطته على الأرض! 

رد عليه

أحدهم من الخلف

بصوت متحشرج

تمام يا ريس منذر!

تسابق الرجال فيما بينهم لإنزال لافتات المطعم بعد إخراج رواده منه وحطموا أغلب الطاولات والديكورات كما تناثرت أجزاء الصحون المهشمة على الأرضيات.

استخدمها أتباع مجد نفض منذر يديه ومسح حبات عرقه المتكونة على جبينه ثم استدار عائدا من حيث أتى.

رفض الصعود إلى منزل عواطف كي لا تنفر أسيف من وجهه أراد أن تظل صورته المنمقة وملامحه المهذبة هي الباقية في ذهنها وتحديدا في تلك الليلة. فأثر العودة إلى وكالته بهيئته تلك وأوكل مهمة اصطحاب عائلته من هناك إلى أخيه الأصغر.

ولم يصعد هو أيضا وهاتف والدته لتحضر ابنه الصغير وأخته ليقابلهم بالمدخل.

تساءلت جليلة بتلهف وقد زاغت أنظارها

أخوك فين حصله حاجة

أجابها بهدوء

اطمني يامه كلنا كويسين

اومال هو فين

راح مع الحاج على الوكالة!

مرت تلك الليلة العصيبة ببطء شديد لم يستطع فيها مهدي الوصول إلى ابنه الذي بقي ملقيا بداخل

 

صندوق القمامة عاجزا عن الحركة أو حتى بلوغ المنطقة الشعبية لمعرفة ما الذي دار بمطعمه حصر عند الأطراف مع ابنه الأصغر قسرا حتى سمح لهما بالدخول.

ليه كده بس يا حاج طه ده احنا بينا عيش وملح!!

ضړب الأخير بعكازه پعنف على الأرضية صائحا بغلظة

ابنك اللي ضيع كل حاجة! ده حړق عربية ابني وكان ناقص يموته لولا ستر ربنا!

برر مهدي فعلته قائلا

هو مكانش في وعيه الهباب اللي بيشربه آ....

قاطعه طه هادرا بانفعال ملحوظ

خلاص انتهى الكلام يا مهدي لم حالك وكفاية قلة قيمة لنفسك وارجع مطرح ما جيت!

أدرك لحظتها أنه لا أمل في أي تفاوض حسم الأمر وانتهى كل شيء فجرجر أذيال خيبته إلى

تجمدت أنظاره على مطعمه المعتم خفقان قوي في قلبه لمجرد رؤيته هكذا. ترقرقت العبرات 

انتبه بفتور شارد لصوت مازن الصارخ بتشنج

مش هايتقفل وربنا لأفتحه ولو طار فيها رقاب مش احنا اللي هنطاطي ل...

قاطعه صائحا بصوت متحشرج

اسكت خالص! إنت وأخوك السبب ضيعتوا شقا عمري كله

بغباءكم منكم لله منكم لله!

أولاه ظهره ضاربا كف بالأخر في تحسر واضح فلحق به ابنه قائلا بقلق

حسبي الله ونعم الوكيل!

سار خطوتين فقط للأمام وانهار جسده المنهك على الأرضية الإسفلتية. لم يتحمل خسارته

أبويا! حاج مهدي!

اش متطلعة أمامها بنظرات شاردة تكرر المشهد في مخيلتها تلك القبضتين الشرستين تطبقان على عنقه وهو أوشك على الاختناق. أغمضت أسيف عينيها سريعا لتنفضه عن عقلها هي لا تريد تذكر الأمر لأن مجرد استعادة وجه مجد الشيطاني في ذاكرتها يزعجها بشدة. وضعت

يدها على وجهها لتمسحه برفق فشعرت بملمس صلب رفعت كفها أمام أنظارها لتحدق في ذلك الخاتم الرقيق الذي يزين إصبعها الأيمن فابتسمت عفويا.

انتبهت لصوتها أسيف فأخفضت يدها سريعا ليظهر ارتباكها جليا أمامها وتسربت خيوط 

مافيش والله ده أنا.. كنت بأريح شوية!

دنت منها لتجلس على الفراش ثم غمزت لها قائلة بمكر

عادي يا سوفي من حقك تفكري في حامي الحمى عنترة بن شداد!

أه فعلا

عضت بسمة على شفتها السفلى ومالت بجسدها للأمام قليلا لتتساءل بخفوت

بس ايه الحلاوة دي متخيلتش أبدا إنك تساعديه لأ برافو عليكي!

زاد حياؤها من مجرد ذكر شجاعتها الجريئة في موقف لحظي مؤقت.

ده انتي مكسوفة خالص لالالا دي حاجة جديدة!

بسمة أنا بأتحرج والله!

ماشي بس المهم إن اليوم كان حلو وعدى على خير

تنهدت أسيف قائلة بهدوء

الحمدلله! وقريب هينتهي ده كله!

نظرت لها بسمة مطولا ولم تعلق على عبارتها الأخيرة رغم تأكدها من مغزاها الصريح لكنها تمنت بين طيات نفسها أن تدوم تلك الخطبة وتتطور إلى زيجة حقيقية فهي تستحق شخصا سحب مقعدا ليجلس هو الأخر بقرب والده ثم دس في فمه خرطوم الأرجيلة مستنشقا محتوياتها قبل أن يخرجها دفعة واحدة على هيئة دخان كثيف أصدر دياب أوامره وشدد على الجميع بإنكار رؤية أي شيء مما حدث والاكتفاء فقط بترديد ما يريد وهو هجوم بعض مثيري

فالعرف المتبع في تلك النوعية من الشجارات الحادة بين أقطاب العائلات القوية هو التستر التام على أسبابها وتبعاتها وبالطبع لم يستطع رجال الشرطة التحقيق بأريحية في تلك المشاحنة العڼيفة أو حتى الحصول على معلومات مفيدة

ففي