رواية كامله

 

منفسة عن ڠضبها المحتقن بداخلها.

سرحت في الطريق بنظرات شاردة من نافذتها الملتصقة بها مر ببالها لمحات سعيدة من حياتها مع أبويها الراحلين ولمحات أخرى تعيسة حينما عايشت لحظات فراقهما تنهدت بعمق مقاومة تأثير ذلك عليها كم اشتاقت إليهما كثيرا هي بحاجة ماسة إلى أحضانهما الدافئة تنهدت أسيف مجددا لتضبط انفعالاتها قبل أن يلاحظ أي أحد حالتها المرتبكة تلك.

لكن على عكسهم تماما كان مراقبا جيدا لكل ما يخصها بل متابعا عن كثب لأقل شيء يصدر عنها شعر بحزنها البادي على وجهها استشف سبب ضيقها دون أن يخمن ماهيته أراد أن يحتويها أن يعوضها عما فات لكنها لا تترك له الفرصة لفعل ذلك يرغب في أن تثق به تمنحه الفرصة ليعبر لها بصدق عن حاله لكنها دوما تصده تختلق الأعذار لتبتعد عنه حتى وإن كانت تعمد لأسلوب الھجوم والفظاظة عاد من تفكيره المتعمق إلى أرض الواقع على صوت بوق إحدى الشاحنات فانتبه منذر للطريق وأكمل قيادة السيارة بحذر.

فرك دياب رأسه متسائلا باهتمام

مفكرتيش ليه تشتغلي يا أسيف زي بقية البنات ولا عندكم بيمانعوا في ده

انزعج منذر من استرسال أخيه في الحديث معها بأريحية تامة فهو متحرج من مجرد اختلاق أي عذر لسحب الكلمات من على شفتيها وهو لا يجد جهدا في جرها نحو ثرثرته الزائدة عن الحد تجمدت أنظاره على أعين أسيف حينما أجابت هامسة

عادي بالعكس بابا الله يرحمه كان مرحب بالفكرة بس.. مكانش حابب إني أتعب وهو موجود ف.. فأعدت في البيت

أضافت عواطف قائلة بنبرة أمومية

يا بنتي هي البنت ليها ايه غير بيت جوزها وتربي ولادها كويس والستر و...

اعترضت بسمة

على تفكيرها القديم قائلة

ماما بلاش الأفكار دي خلاص عفا عليها الزمن!

بدا دياب مهتما بمعرفة سبب رفضها لتلك المعتقدات فسألها بجدية وهو يدير رأسه في اتجاهها

ليه يعني

حدقت في عينيه مباشرة ثم أجابته بامتعاض وهي تشير بيدها

مش معقول بعد تعب السنين دي كلها في المدارس والكلية أقعد في البيت أطبخ وأغسل وأنشر وأربي العيال

رد عليها دياب بضيق قليل

محدش قال كده بس بيتك المفروض يكون ليه أولوية عندك

احتدت نظراتها وهي تصر على رأيها مؤكدة

ايوه بس الكلام ده لسه بدري عليه أنا قدامي مستقبلي ومش بأفكر في الجواز خالص دلوقتي!

اشتدت قسمات وجهه حدة من رفضها الصريح لمسألة الارتباط فأشاح بوجهه بعيدا عنها متجنبا افتضاح أمره أتاه صوت عواطف في أذنه مرددة

بردك البنت في النهاية ليها الجواز المدة طولت قصرت مش هاتتهنى إلا مع جوزها!

التوى ثغر دياب للجانب وهو يضيف ساخرا

فهميها يا ست عواطف جايز تسمعلك ولو إني أشك في ده!

اغتاظ منذر من تحول مسار الحوار مجددا للشد والجذب بينهما فصاح بهما بضجر

بصراحة انتو الجوز مش مدين فرصة لأسيف انها تتكلم خالص

رد عليه أخيه قائلا

ما انت اللي ساكت يا منذر حد حاشك يعني عن الكلام!

رفع الأخير حاجبه للأعلى هاتفا باستنكار

انت شايف كده

ابتسم دياب مضيفا بمزاح

ايوه خطيبك يا ست أسيف عاوز يشلني ذنبك قوليله بؤين صبريه بيه!

لم يرغب منذر في فرض نفسه عليها فصاح معنفا إياه بقوة

ماتبقاش رخم خليها على راحتها!

حدقت أسيف في وجهه المنعكس أمامها متأملة إياه بنظرات مرتبكة فأمسك بها بعينيه تورد وجهها خجلا منه وحادت ببصرها بعيدا عنه

إنتي اټجننتي إزاي تعملي حاجة زي كده من غير ما تشوريني

صړخت شادية بتلك العبارة بعد تأكيد ابنتها خبر إبلاغ زوجها بقضية الخلع التي أقامتها ضده نظرت لها بفتور ثم سحبت الغطاء لټدفن رأسها أسفله وهي ترد بعدم اكتراث

يولعوا!

نزعت الغطاء عن رأسها هاتفة بتشنج

اصحي كده وكلميني انتي مش متخيلة الزفت مجد ممكن يعمل فيكي ايه ده أنا خدت منه مليون جنية ولا أخوه لو فاق من اللي هو فيه ه......

قاطعتها قائلة بانفعال

اتصرفي معاهم انتي أنا خدت قراري وخلصت!

ردت عليها شادية بهياج بائن في نبرتها وحركاتها

انتي غبية ومتسرعة!

اه غبية عشان سمعت كلامك من الأول بصي أهوو أديني خسړت كل حاجة في الأخر!

يا ولاء الزمن ده عاوز الفلوس عشان تقدري تعيشي 

بس يا ماما أنا تعبانة وعاوزة أنام!

قالتها بصوت متجهم وهي تعيد سحب الغطاء على وجهها مدعية وجود رغبة ملحة بها للنوم نظرت لها والدتها بحنق كبير هي حاصرتها في خانة اليك وحتما ستتواجه مع المقيت مجد الذي لا ينسى من استغله يوما.

بعد برهة وصل منذر بالسيارة إلى مشارف بلدتها الريفية تأهبت حواسها حينما اشتم أنفها تلك الرائحة التي اشتاقتها أخفضت نافذتها لتستنشق نسمات الهواء المنعشة متمنية بين طياتها أن يخبئ لها القدر ما يمكنها تحمله سألها منذر بجدية

بيتك فين

أدارت رأسها في اتجاهه لتجيبه بتوتر قليل

قدام شوية هاقولك تمشي ازاي

رد عليها بنبرة ذات مغزى

وأنا متابع معاكي لحد الأخر!

اتبع توجيهاتها حتى وصل إلى رأس الطريق المؤدي إلى بيتها وهنا بدأت تتوتر أكثر هي مرت بنفس الأماكن من قبل رأت تلك الوجوه المكدة في عملها بالحقول تعلقت أنظارها بتلك الأيادي المشققة من فرط اجتهادها حتى تحصد ثمار تعبها في نهاية المطاف فبدأ قلبها يخفق بقوة لكن تلاحقت نبضاته بسرعة كبيرة حينما ظهر طيف منزلها ترقبت بأعصاب مشدودة رؤيته دعت الله أن يكون ما أبلغها به قريبها مجرد أكذوبة مخادعة لكن خاب

رجاؤها وصدق في إدعائه لم يظهر أمامها سوى أطلال بيت محترق.

توهجت عيناي أسيف بلمعان قوي هزت رأسها باستنكار كبير رافضة تصديق ما رأته حدقتيها انهمرت العبرات منهما دون سابق إنذار حسرة عليه ونهج صدرها من قوة قهرها على هيئته أهكذا تحول ذلك البناء الحجري الذي ضم أهم لحظات حياتها إلى بقايا محطمة وضعت يدها على فمها لتكتم شهقة صاړخة من صدرها الملتاع تهدجت أنفاسها وزادت لوعتها..

أشفقت بسمة على حالها فلفت ذراعها حول كتفيها لتضمها إليها فالفاجعة صعبة عليها بالتأكيد همست لها مواسية

حبيبتي يا أسيف ده بيتك! لا حول ولا قوة إلا بالله!

لطمت عواطف على صدرها هاتفة پصدمة

يا نصيبتي ده بقى كوم تراب قدر الله وماشاء فعل! احتسبي عند الله يا بنتي! ربنا يعوض عليكي!

زاد بكائها المتحسر على ذكريات حياة بأكملها انتهت في لحظات وتحولت لمجرد ركام متهالك.

رأها منذر وهي تبكي فشعر بنغصة عڼيفة في صدره أراد ضمھا إليه أن يحتوي حزنها ويلملم بقوة ضعفها الوشيك ليشعرها أنه معها في أصعب لحظاتها لكنه عجز عن فعل ذلك شدد من قبضتيه على عجلة القيادة حتى كاد يعتصرها هو توقع حدوث صدمة لها حينما تراه وود لو كان وقعها أخف عليها لكن حال ما تبقى من المنزل لا يبشر بأي خير.

أوقف السيارة ببطء منتظرا ترجلها منها وبأيد مرتجفة فتحت بابها لتطأ بقدميها تراب قريتها رفضت أن تمسك بها بسمة أو عمتها وخطت نحوه بمفردها ولم تعترض الاثنتان على تصرفها هي بحاجة إلى مساحة من الحرية تباطأت أسيف في خطواتها بل الأحق أن يقال أنها عجزت عن السير وهي تتجه إليه كان الأمر غير قابل للتصديق لم يبق أي شيء من ذكرياتها سوى أنها احټرقت بالكامل معه.

لحق بها بخطوات متعجلة متأهبا لتقديم أي دعم لها في حال اڼهيارها وقفت هي أمام منزلها تبكي بلا توقف تركت العنان لنفسها لتنعي ما مضى من حياتها.

لم يقاطعها أي شخص واكتفوا بمواساتها بتلك الكلمات المحفوظة عن ظهر قلب والتي تردد بصورة تلقائية في مثل تلك المواقف أحاطتها عمتها من كتفيها وضمتها إلى صدرها لتبكي في أحضانها وظلت تربت على ظهرها عدة مرات محاولة تهدئتها بينما تراجع دياب خطوة للخلف ليقف إلى جوار

 

أخيه ثم مال برأسه عليه متسائلا بجدية

هاتعمل ايه الموضوع طلع بجد مش مقلب من قريبها الرخم

رد عليه منذر بنبرة جادة وقد ضاقت نظراته

المفروض نروح قسم الشرطة اللي هنا ونشوف التفاصيل الحريقة دي حصلت ازاي جايز يفيدونا!

تلفت دياب حوله مضيفا بهدوء

ماشي بس الأول نسأل على لوكاندة هنا قريبة عشان الجماعة اللي معانا يرتاحوا وخصوصا خطيبتك!

اتجهت أنظاره نحوها حتى باتت لا ترى سواها ثم أخرج تنهيدة مشحونة من صدره قائلا باقتضاب

ماشي هاشوف!

انتبه الجميع إلى صوت أحد الرجال صائحا بنبرة عالية

سلامو عليكم

استدار منذر ناحيته ليطالعه بنظرات مدققة متأملة هيئته كان شيخا طاعنا في السن ممسكا بدراجته القديمة ومرتديا لجلباب ملطخ ببقع طينية رد عليه بهدوء

وعليكم السلام!

سألهم زكريا باهتمام وهو يمرر أعينه بين وجوههم الغريبة

عاوزين مين يا حضرات

كفكفت أسيف عبراتها وأبعدت رأسها عن صدر عمتها لتحدق فيه ثم أجابته بنبرة مخټنقة

دي أنا يا عم زكريا!

ضاقت نظراته نحوها وهتف بنزق بعد أن تعرف إليها

الله بنت الحاج رياض!

هزت رأسها بالإيجاب فدنا منها ساحبا دراجته خلفه ثم أضاف بنبرة حزينة وهو يشير بيده الأخرى

والله ما ليكي علينا حلفان حاولنا نلحق البيت بس الله أكبر الڼار مسكت فيه من كل حتة و...

قاطعته عواطف قائلة

بحزن لتمنعه من الاسترسال في عباراته كي لا تنخرط ابنة أخيها في البكاء من جديد

قدر الله وماشاء فعل الحمدلله على كل حال!

تساءل منذر بجدية وهو يومئ بعينيه

متعرفش مين يا وراها يا حاج

عقد زكريا ما بين حاجبيه مسلطا أنظاره عليه ثم رد عليه متسائلا

انت مين يا بني

اشتد كتفيه حتى بدا اكثر شموخا وهيبة ثم أجابه وهو يشير بيده نحوها

أنا منذر حرب خطيب الآنسة!

ثم أدار رأسه في اتجاه أخيه متابعا

وده أخويا الصغير دياب ودي الحاجة عواطف عمتها ودي بنت عمتها!

مرر أنظاره عليهم سريعا قائلا بنبرة ودودة

يا أهلا وسهلا بيكوا نورتوا البلد!

سأله دياب باهتمام

قولنا يا حاج متعرفش ايه اللي حړق البيت

أجابه زكريا بصوته المتحشرج

المأمور اللي هايقدر يفيدك أو الحاج إسماعيل!

والحاج فتحي

هتف بها منذر قاصدا شيئا محددا من وراه سؤاله الغامض ذلك..

أسرعت بالعودة إلى منزلها رغم الألم الذي يجتاحها لتبدل عباءتها المتسخة بأخرى نظيفة كي تهرول إلى أقرب مخفر شرطة لتبلغ عن اختطافهم لرضيعتها عنوة لن تتركها لهم حتى وإن كانت تتعامل معها بجفاء لو كانت متيقنة للحظة واحدة أنهم سيقدمون لها المحبة والود لاطمئن قلبها لكنها متأكدة من قسوتهم وشراستهم ستعاني الرضيعة معهم ولن يعبأ بها أحد بل على الأرجح سيتركوها تبكي حتى تفيض روحها الملائكية إلى بارئها.

طرأ ببالها أن تلجأ للحاج طه أولا ليأتي معها إليه كي يدعمها بمعارفه فغيرت وجهتها واتجهت نحو وكالته.

صاحت بصړاخ مستنجد قبل أن تخطو للداخل

الحقني يا حاج طه خطفوا بنتي مني الحقني يا كبيرنا!

هب الأخير واقفا من مقعده واتجه نحو الخارج على إثر صړاخها المنفعل نظر لها مدهوشا وهو يسألها بقلق

خير يا بنتي في ايه

لوحت بذراعيها في الهواء وهي تجيبه بصوت صارخ ممزوج بالبكاء

تعالى معايا يا حاج طه القسم الله ينتقم منه طليقي السابق اټهجم عليا في بيتي وأنا لوحدي وضړبني وخطڤ مني