رواية كامله

 

عشان أفهمك!

اتسعت ابتسامة المرأة الصفراء مبررة فضولها الملح

بصراحة كده أنا ابني شافها صدفة وحاول يطأس عنها وعرف إنها تبعكم فكلمني عليها عشان أسأل عنها!

ردت عليها عواطف بامتعاض وهي تضم كفيها معا إلى بطنها

وأديكي عرفتي ظروفها

أضافت المرأة قائلة بحذر

طالما مافيش حاجة تعيبها ايه المانع إن 

انزعجت عواطف من طريقتها في فرض نفسها وكذلك في الحديث عن أمور كهذه دون تمهيد مسبق فردت مقاطعة بجدية

مش وقته يا حبيبتي احنا مشغولين بالعروسة!

أصرت المرأة على إكمال ما تريد قائلة

طب خدي فكرة عن ابني هو أرمل وعنده عيلين صغيرين يتمى يا حبة عيني عليهم ده غير أرضه الزراعية وشغال الصبح في مديرية الزراعة و 

وضعت عواطف يدها على كتف المرأة لتضغط عليه برفق واكتفت بالابتسام وهي ترد بإيجاز 

ربنا يباركلك فيه بس مش وقته!

تفهمت اعتراضها بعد صعوبة وردت قائلة

ماشي نكمل كلامنا وقت تاني!

انصرفت من أمامها سريعا متعجبة مما حدث فابنتها ناقمة على الأزواج والمتزوجين والحياة الزوجية بشكل عام وربما قد أتتها فرصة طيبة لكنها واثقة من رفضها من قبل أن تعرف التفاصيل راقبتها المرأة باهتمام مرددة لنفسها

ربنا يقدم اللي فيه الخير ويرزقك يا ابني ببنت الحلال اللي تستاهلك!

أشرق صباح يوم جديد يحمل منذ لحظة ميلاد فجره وعودا وأحلاما كثيرة عمل الجميع على قدم وساق لإنجاز ما هو مطلوب لإقامة سرادق الحفل في أرض المرحوم رياض خورشيد وتم إحضار إحدى الشابات المتخصصات في تزيين العرائس لتقوم بدورها في تجميل العروس بالإضافة إلى ثوب جديد يليق بها تم شرائه خصيصا من أجلها 

تفاجأت أسيف بالثوب الذي حملته جليلة لها مرددة بابتسامة ودودة

يا رب يعجبك يا بنتي! ملحقناش ناخد

رأيك بس منذر الله يكرمه مفاوتش حاجة إلا وكان عامل حسابها

تحرجت من مجرد ذكر اسمه هو كعادته يفاجئها بالأفضل دوما لا يغفل أي تفصيلة تخصها زاد تورد حمرة وجنتيها ثم انتبهت لصمتها فردت بنبرة رقيقة

شكرا انتو تعبتوا نفسكم وأنا مكونتش 

قاطعتها جليلة قائلة بعتاب

تعب ايه يا عروسة بقى ده اسمه كلام! عقبال الليلة الكبيرة يا رب!

تناولت الثوب المغلف منها بحذر وأسندته على طرف الفراش لتعتدل في وقتها بعدها بود واضح ربتت جليلة على ظهرها متمنية لها حياة طيبة مع ابنها راقبتهما نيرمين ظاهر في نظراتها المثبتة عليهما وردت بين نفسها باستنكار ساخط

سبحانه مغير الأحوال بقى دي اللي مكانتش طيقاها خلاص خدتها تحت باطها وبلفتها!

دنت منها بسمة محدقة فيها باستغراب شديد خاصة أن تعبيرات وجهها كانت مشدودة للغاية فسألتها بتعجب

انتي بتكلمي نفسك

التفتت نيرمين نحوها لترمقها بنظرات مزعوجة وهي ترد بتهكم

ايوه فيها حاجة دي!

لأ مافيش يا نيرمين!

حاجة تجيب الغم على الصبح

ردت عليها بسمة على مضض

طب افردي بوزك النهاردة فرح!

لوحت لها نيرمين بيدها هاتفة بسخط ساخر

سبنالك ياختي الفرح كله اتشمليلي وحصلي المعدولة اللي اتلميتي عليها!

استنكرت طريقتها الفظة في الإساءة إليها فصاحت بحدة

دي بنت خالك! هاتفهمي ده امتى

ضړبتها بكفها على ذراعها قائلة بعدم اكتراث

تبقى زي ما تبقى! روحيلها يالا بلا هم!

نظرت لها بسمة شزرا وهي تقول

ربنا يعدي اليوم ده على خير!

ظلت واقفة في مكانها تراقبهما بأعينها المحتقنة منها حتى حضرت والدتها فسألتها بتلهف

فاضية يا بنتي شوية

التفتت ناحيتها متسائلة بفتور

في ايه يا ماما

أجابتها بإنهاك

ناقصنا حاجات كتير ومحتاجين أي حد فاضي عشان يساعدنا في المطبخ!

ردت نيرمين من بين شفتيها بهمس خاڤت

يعني من قلة الموجودين!!

ها قولتي ايه هتساعدي في أكل بنت خالك!

ضغطت على شفتيها قائلة بامتعاض

طيب!

تحركت مع والدتها بخطوات بطيئة مضيفة بحنق مغلول

إياكش تطفحه بالسم الهاري!

حل المساء عليها بطيئا ولم يتوقف عقلها عن التفكير في كل شيء تحديدا هو ذاك الذي تغلغل إلى خلايا عقلها رويدا رويدا فتشبع به باتت الدقائق تؤجج من حماسها الشغوف إلى التطلع إليه فبدت متلهفة أكثر على رؤيته وترقبت بتوتر شديد حضوره إليها ما أثار غرابتها هو عدم إقامة سرادق عقد القران بالأرض الخاوية الملحقة بدار الحاج إسماعيل فأصابها الأمر بالريبة وظنت أنه سيكون حفلا بسيطا في المضيفة خاصة أن كل من تسأله عنها يجيبها بغموض غير مريح وكأن المسألة أمرا حربيا لا يجب عليها معرفته 

أنهت المصففة عملها ووضعت لمساتها الأخيرة على بشړة العروس الجميل وتأكدت من ضبط ذلك التاج الفضي الذي ثبتته على حجابها الأبيض أصبحت أكثر إشراقا وجمالا وظهر على صفحة وجهها فرحتها الصافية 

حدقت فيها عمتها بأعين لامعة متأثرة ثم وضعت كفيها على كتفيها قائلة بصوت شبه باك

بسم الله ما شاء الله زي القمر يا بنتي! 

رمقتها بسمة

هي الأخرى بنظرات إعجاب وهي تضيف

حلوة أوي اقفي بقى عشان نظبط الفستان!

نهضت أسيف بحذر من على المقعد فأزاحته ابنة عمتها للخلف لتترك لها مساحة من الحرية لتتحرك ظهر الثوب واضحا أمام أعينهن كان بسيطا في تصميمه لكنه أنيقا وكلاسيكيا في مظهره طرز صدره بالفصوص اللامعة ذات الحجم الصغير والموضوعة على قماش الدانتيل المغطى ببطانة بيضاء سميكة أمام أكتافه فكانت من نفس الخامة لكن نقوشاتها الوردية أكثر بروزا وعند الخصر يضيق الثوب ثم يتسع بطبقات عريضة مموجة أعطتها حجما محببا 

هتفت بسمة بانبهار

واو! شكله تحفة بصراحة ذوقه يجنن

التفتت أسيف ناحية المرآة لترى انعكاس هيئتها فيها بدت مصډومة من مظهرها كانت تشبه الأميرات في حليتهن المبهجة مع فارق أنها عروس اليوم مسحت عواطف عى ظهرها بحنو وهي تقول

ربنا يعوضك خير يا أسيف والله انتي تستاهلي أحسن حاجة!

هتفت بسمة بمزاح

العروسة غطت علينا كلنا! احنا مش هنبان جمبها!

ردت عليها ابنة خالها بخجل لطيف

متقوليش كده انتي جميلة والله!

ابتسمت لها بسمة هاتفة بمرح

بأهزر طبعا ارتاحي بقى لحد ما يجي عريسك أكون أنا كملت لبسي

أضافت المصففة قائلة بجدية تحمل التحذير

متتحركيش كتير يا عروسة مش عاوزين عريس الهنا يشوفك دلوقتي ده فال وحش!

ضحكت عواطف مداعبة

ربنا يبعد عنها كل وحش ده الطيبون للطيبات!

اقتربت منها بحنو أمومي زائد مكملة دعائها الصادق لها بينما تنهدت بسمة هامسة بقلق طفيف بدا على قسماتها

أمين وخصوصا نيرمين !!!!

يتبع الجديد

الفصل الخامس والسبعون الجزء الأول

أصر على استضافته مع أغلب رجال عائلته في داره الكبير ليرتدي ثيابه هناك وأظهر ترحيبا لائقا به وبكرمه المعروف كعمدة لتلك البلدة فأثنى الحاج طه على أخلاقه الكيسة وطبائعه الخلوقة انتهى منذر من ارتداء بدلته الداكنة واستعان بأخيه ليعقد له رابطة العنق فبدا رغم صلابته مهيبا وجاذبا للأنظار.

هتف دياب متحمسا وهو يضبط ياقته

مبروك يا عريس!

رد عليه منذر بهدوء

عقبالك يا دياب!

تنهد مضيفا بإحباط طفيف

كثف دعا وحياة أبوك لأحسن العملية ناشفة على الأخر معايا معقدة وكلها كلاكيع

ربت على كتفه بقوة مرددا بثقة

بتيجي على أهون سبب!

رفع دياب كفيه للأعلى هاتفا

يا ميسر يا رب!

صاح طه قائلا بجدية ليثير انتباههما

يالا يا شباب كده احنا هنتأخر

الټفت منذر ناحيته ليرد مبتسما

على طول يا حاج!

تحرك بخطوات ثابتة نحوه ثم انحنى على كفه الممسك برأس عكازه ليقبله بامتنان كبير فمسح والده على رأسه وظهره قائلا

مبروك يا ابني وربنا يجعلها جوازة دايمة إن شاء الله

اعتدل في وقفته مرددا

يا رب أمين

عرفت تختار هي بنت كويسة ومتربية وتعتبر يعني من العيلة

طالما انت راضي عني يا حاج فأنا مبسوط

ربنا يراضيك دايما

سبقهما دياب ليشير بيده للسائق الذي استأجر حافلته لإحضار بعض الأقارب والمعارف لحضور الحفل بتتبعه كي يصل إلى وجهته دون أن يضل طريقه في تلك البلدة الغريبة عليه فامتثل الأخير له واستعد للتحرك خلفه

سار منذر بجوار والده يتبادلان عبارات خاڤتة حتى ركبا السيارة لحق بهما الحاج إسماعيل وبصحبته العمدة وعدد من رجال القرية وبدأ الجميع بالتحرك نحو السرادق كل على حسب وسيلة مواصلاته.

تعالت أصوات

 

الزغاريد فخفق قلبها بقوة معتقدة أنه قد جاء بالخارج توترت أنفاسها وازدردت ريقها بارتباك كبير اشرأبت بعنقها للأعلى محاولة رؤيته لكنها مجرد تعبيرات عادية عن فرحة النساء بالعروس المتواجدة بالمنزل خبا حماسها وهدأ توترها لتصبح كما كانت شبه ساكنة.

اقتربت منها بسمة بخطوات متهادية هاتفة بانفعال متحمس

ها يا سوفي ايه رأيك في فستاني

رفعت أسيف عينيها نحوها لتمعن النظر في ثوبها اللامع الذي ارتدته من اللون البترولي كان متماشيا مع نحافتها وحجابها الزاهي ضيقا من خصره ومتسعا من الأسفل وأكمامه فضفاضة وتضيق عند الرسغين ابتسمت لها مبدية إعجابها به وهي تقول

شكله حلو عليكي

ردت عليها بسمة بلهو

بس مش يجي حاجة جمبك يا عروسة!

اكتفت بالابتسام الخجل لها لكن سريعا ما اختفت من على محياها حينما رأت نيرمين تقترب منها لترمقها بنظراتها الساخطة أدارت وجهها للجانب متحاشية التشاجر معها فهي متيقنة أنها ستفتعل شيء ما لتثير أعصابها المشدودة وهي لن تتحمل المزيد من التهكمات خاصة في ليلة متوترة كهذه.

انتفض قلبها بين ضلوعها حينما سمعت أبواق السيارات أحست بدقاته العڼيفة تخترق أذانها فارتكبت بشدة واضطربت حواسها هتفت بسمة متحمسة

الظاهر العريس وصل!

صدحت أصوات الزغاريد الممزوجة بأصوات المزامير لتؤكد صدق حدسها فتلاحقت

ضربات فؤادها من تلك الحماسة المتدفقة في الأدرينالين المندفع في شرايينها لا تعرف إن كان اضطرابها دليلا على الفرح أم ماذا لكنها حتما لم تكن مزعوجة بما يحدث لها.

سدت بسمة الطريق بجسدها لتمنعه من المرور ومن رؤية عروسه رأها دياب أولا فتوهجت عيناه بوميض غريب امتعضت ملامحه إلى حد ما لكونها ستظهر أمام الغرباء بصورة جميلة لافتة للأنظار فربما تثير في نفس شاب ما خيالات متهورة أو أفكارا حمقاء مخجلة نحوها سيطر عليه شعور الغيرة فجاهد كثيرا ليبدو طبيعيا لكن عبرات تعبيراته عن حاله

تعمدت فرد ذراعيها هاتفة بمرح

عروستنا لسه قدامها شوية

عقد منذر ما بين حاجبيه قائلا باستغراب كبير

مش معقول ماتكونش خلصت! 

لوت ثغرها قائلة بمكر وهي توميء برأسها

اها لسه!

تساءل بغرابة وهو يدير رأسه نحو أخيه

ازاي ده المأذون جه!

جمد دياب أنظاره على بسمة قائلا بتجهم مزعوج

شكلها بتهزر يا أبلة جرس الفسحة ضړب من زمان! خلي العريس يشوف عروسته!

نظرت له بضيق مبدية عدم تقبلها من طريقته في الحديث وردت باقتضاب

ظريف!

أبعد نظراته المحتقنة عنها مطلقا زفيرا حادا من صدره باذلا مجهودا مضنيا في ضبط هدوئه تنحت للجانب لتفسح الطريق لمنذر ليلج إلى الداخل فقابلته والدته صائحة بسعادة

مبروك يا حبيبي ربنا يسعدك يا رب

احتضنها بذراعيه للحظات ثم تراجع مبتعدا عنها وانحنى على رأسها مقبلا إياها قائلا

الله يبارك فيكي يا أمي!

مسحت على وجهه بكفها المجعد فأمسك به وطبع قبلة صغيرة عليه قبل أن يتركها ليكمل خطاه نحو الداخل متلهفا لرؤيتها اشتاقت إليها عيناه خفق قلبه بقوة حينما لمح تلك الهالة البيضاء التي تغلفها أهذا سحر الحب الذي يجعلنا نرى ما نحب كالملائكة

ردد بإعجاب كبير

بسم الله تبارك الخلاق!

خجلت من نظراته المتطلعة بعشق إليها شعرت بسخونة شديدة تجتاحها من لا شيء بتوتر رهيب يعصف بخلاياها الساكنة أتلك هي بوصلة الحب التي تدل قلوبنا على نصفنا الأخر