كلبٌ ضالّ سرق حقيبتي… لكنه قادني إلى حقيقة غيّرت حياتي للأبد

كان بعد الظهيرة يبدو كأنه وعد جميل شمس دافئة تنسكب بين أوراق شجرة الدلب في حديقة مابلوود والهواء ممتلئ بضحكات الأطفال من ساحة اللعب وبالرنين الهادئ لأكواب في مقهى قريب. كنت أنا ودانيال نجلس على المقعد الخشبي القديم منغمسين في ذلك النوع من الحديث السلس الذي لا يحتاج إلى مقاطعاتخطط أفلام والمقهى التالي الذي سنجربه ونقاش طريف حول أي نوع من الكعك هو الأفضل بلا منازع.
ثم ظهر كلب من العدم.
كان أصغر مما توقعت فراؤه خريطة متشابكة من أغصان وغبار وتبدو أضلاعه تحت الأۏساخ. ومع ذلك حين نظر إلينا كانت عيناه لافتتين في سطوعهماكعيني من تعلم دروسا قاسېة كثيرة لكنه احتفظ بفضول وأمل عاجل رغم كل شيء. نبح نباحا خاڤتا تقدم خطوة ثم جلس يراقبنا كأنه ينتظر ردا.
في البداية تخيلته كلب حديقة ضالا عاديا جائعا جريئا بما يكفي ليتسول. ربت على حجري ولوحت لدانيال كي يبعده. اقترب الكلب أكثر وضع كفيه على ركبتي لثانية ثم اندفع جانبا وبحركة جسد مألوفة رأيتها ألف مرة لدى كلاب الخدمة والحيوانات الأليفة الذكية دار حولنا ونبح بحدةبإصرار.
وقبل أن نفهم ما يحدث أمسك حقيبتي بأسنانه وانطلق يعدو.
صړخت هيه! وتكسر صوتي على الكلمة. كان دانيال قد نهض بالفعل وساقاه الطويلتان تلتهمان الرصيف. ركض الكلب بسرعة لكن لا كمن يفر هارباكان يلتفت إلى الخلف مرارا يحثنا على اللحاق به.
وفعلنا. قادنا المطارد عبر ممرات متعرجة حتى خفتت ضوضاء الحديقة وتشابكت فروع أشجار البلوط العالية فوق رؤوسنا.
انتهى المسار إلى زقاق ضيق بين مبنيين قديمين من الطوب. حجارة رطبة ورائحة معدنية خفيفة في الهواء توحيان بمطر جف منذ زمن. أسقط الكلب الحقيبة برفق على الأرض وجلس يلهث كأنه يقدمها قربانا.
تقدمت ومددت يدي إلى حقيبتي وامتزج في صدري ارتياح بخجل. عندها تحرك شيء في الظل خلفها. شق السكون أنين منخفض مكتوم.
قال دانيال هل سمعت ذلك
اقتربنا بحذر. تحت بطانية بالية كان رجل مسن منكمشا إلى الجدار. ثيابه ممزقة ووجهه مخطط بالأۏساخ. حاول أن يدفع نفسه للجلوس فارتجفت يداه كأوراق في مهب الريح. التقت عيناه بعيني لحظة وكان فيهما اعتراف غريب وكرامة منهكة.
همس من فضلكم ساعدوني.
لم أدرك أن ركبتي ارتطمتا بحجارة الزقاق الباردة إلا بعدما حدث. كان تنفس الرجل ضحلا وجلده باردا عند اللمس. والكلبذلك الدليل العنيد غير المألوفدفع بأنفه كتف الرجل وأن كأنه يقول أحضرتهم. لصق جسده به يمنحه الدفء وحضورا مطمئنا.
كان هاتف دانيال في يده بالفعل. قال بصوت ثابت سأتصل بالإسعاف. بدا اللفظ صغيرا في ذلك الحيز الضيق لكنه كان حاسما.
تحركت شفتا الرجل حول اسم تلاشى مع سعال سيجدونني وانقطعت كلماته بنفس متقطع.
ومن طرف الزقاق البعيد دوى وقع أقدام ثقيلة. انتصبت أذنا الكلب فجأة. تمركز بيننا وبين الصوت ونباح تحذير منخفض يهتز