كلبٌ ضالّ سرق حقيبتي… لكنه قادني إلى حقيقة غيّرت حياتي للأبد


عالم لا يكافئ الصدق دائما.
وفي تلك اللحظة اتضح لي أمر كنت أغفله طويلا النجاة لا تبدأ دائما بقرارات كبرى تكتب في العناوين ولا ببطولات مدوية تصفق لها الحشود. أحيانا بل في أغلب الأحيان تبدأ النجاة بانتباه بسيط بتوقف غير مخطط بخطوة واحدة نحو ما نميل عادة إلى تجاهله أو العبور بجانبه دون اكتراث. تبدأ حين نختار ألا نكون صما عن النداء الخاڤت ولا عميانا عن الألم الذي لا ېصرخ.
والآن حين نجلس أنا ودانيال على المقعد الخشبي تحت شجرة الدلب وميلو مستلق عند أقدامنا في هدوء واثق لا أتعامل مع المكان كما كنت أفعل سابقا. لم تعد الحديقة مجرد مساحة للاسترخاء ولا الأزقة مجرد طرق جانبية لا شأن لي بها. أبطئ خطواتي عمدا كمن تعلم أن السرعة ليست فضيلة دائما وأمنح عيني وقتا أطول لالتقاط التفاصيل الصغيرة التي كنت أراها سابقا بلا وعي تعابير المارة التي تخفي أكثر مما تظهر نظرات العابرين المحملة بأثقال غير منطوقة الصمت الذي يختبئ بين الضحكات العالية ويكشف ما لا تقوله الكلمات.
يمضي العالم في همهمته المعتادة أطفال يركضون في العشب بلا خوف وأكواب قهوة تنتقل من يد إلى أخرى وأحاديث عابرة تولد ثم تتلاشى كما لو أنها لم تكن. لكن خلف هذا المشهد المألوف أعرف الآن أن هناك طبقة أخرى من الحياة قصصا كاملة تدور في الظل تنتظر فقط من يتوقف قليلا من يبطئ من يختار الإصغاء بدل العبور السريع.
الأزقة ما زالت تحتفظ بأسرارها والمدينة لا تكف عن اختبارنا بفرص صغيرة متواضعة لنكون أفضل مما كنا عليه بالأمس. فرص لا تعلن عن نفسها ولا تطلب إذنا ولا تعد بمكافأة واضحة. ومعرفتي بأن حياة قد تنقلب رأسا على عقب بسبب نباحة واحدة بسبب إصرار صامت من كائن لا يملك شيئا سوى الوفاء غيرت طريقتي في السير داخل المدينة وفي النظر إلى الناس وفي الحكم على القصص التي تبدو للوهلة الأولى عادية أو غير جديرة بالتوقف.
لم أعد أؤمن بأننا مجرد عابرين في هذا العالم نمر به كما تمر الريح دون أثر. نحن شهود ومسؤولون ومشاركونسواء أردنا ذلك أم لم نرده. فالملاحظة ليست ترفا والانتباه ليس عبئا والإنسانية لا تقاس بما نملكه ولا بما نظهره للآخرين بل بما نفعله حين تمنح لنا فرصة صغيرة عابرة لنفعل الصواب ثم نختار بوعي كامل
ألا ندير ظهورنا.
ملاحظة هذا العمل مستوحى من أحداث وأشخاص حقيقيين غير أنه خضع للتخييل لأغراض إبداعية. وقد جرى تغيير الأسماء والشخصيات والتفاصيل حماية للخصوصية وتعزيزا للسرد الأدبي. وأي تشابه مع أشخاص حقيقيين أحياء أو أموات أو مع أحداث واقعية هو محض مصادفة وغير مقصود من المؤلف.