كلبٌ ضالّ سرق حقيبتي… لكنه قادني إلى حقيقة غيّرت حياتي للأبد


في نزهاتنا يشد المقود قليلا ثم يميل برأسه كمن ينصت. لا نباح لا توتر ظاهر
فقط انتباه كامل كأنه يصغي لقصص المدينة الخفية لتلك الأصوات التي تمر تحت الضجيج اليومي ولا يسمعها إلا من تعلم معنى الخطړ مبكرا.
كان الناس يتوقفون حين يرونه. بعضهم يبتسم بعضهم ينحني ليمسح رأسه وآخرون ينادونه شجاعا دون أن يعرفوا لماذا. وكنت كلما سألني أحدهم عنه أحكي قصته بهدوء كيف سرق حقيبتي وكيف قادنا بعناد غريب إلى ما كان أهم بكثير من أي شيء في محفظة. كنت ألاحظ الدهشة في عيونهم ثم تلك اللحظة الصامتة التي يعيدون فيها ترتيب أفكارهم عن الصدفة وعن الذكاء وعن الرحمة التي قد تأتي من حيث لا نتوقع.
إن كان ثمة درس واحد علمتني إياه تلك الظهيرة فهو أن الانتباه لا يكلف شيئا ومع ذلك قد يصنع كل شيء. نحن نمضي في أيامنا مسرعين نرى الوجوه دون أن نتوقف عندها ونسمع الأصوات دون أن نصغي لمعناها ونعتاد المشهد حتى نفقد القدرة على التساؤل. نقنع أنفسنا بأن المشردين جزء باهت من الخلفية وأن الكلاب الضالة مجرد إزعاج عابر وأن الخطړ لا يوجد إلا في الأماكن القصية التي لا نسلكها. لكن الحقيقة كما تعلمت في ذلك اليوم أكثر تعقيدا وأقرب بكثير مما نحب الاعتراف به.
فالكونبطرقه الغامضة التي لا تخضع لمنطق واضحلا يختار دائما رسله من بين الأقوياء أو الواضحين أو أولئك الذين يجيدون صياغة الحكمة في كلمات منمقة وخطب بليغة. أحيانا بل كثيرا يختار رسله من الهامش من الأماكن التي لا نلتفت إليها
ومن الكائنات التي تعلمنا دون أن نشعر أن نتجاوزها بسرعة. يختار أصغرهم أضعفهم وأكثرهم إهمالا في أعيننا. يختار كلبا أشعث أنهكته الطرقات والجوع والخۏف لكنه احتفظ بشيء نادر عينين لامعتين باليقظة وبقلب لم يتخل عن الإحساس بالآخر.
ذلك الكلب لم يحمل رسالة مكتوبة ولم ينطق بحكمة صريحة لكنه حمل في صمته ونباحه معنى لا يمكن للكلمات أن تؤديه. لم يكن يبحث عن طعام ولا عن شفقة عابرة ولم يكن ما فعله نزوة أو اندفاعا غريزيا بلا وعي. كان فعله نداء صريحا واختبارا صامتا لإنسانيتنا وسؤالا موجها إلينا بلا مواربة أو تلطيف
هل ترون حقا ما حولكم
هل تنتبهون لما يحدث خارج دوائركم الآمنة حيث لا يصل ضجيج الحياة إلا بعد أن يفقد القدرة على الإزعاج
ذلك الكلب لم يعد إلي حقيبتي فحسب بل أعاد ترتيب فهمي للأشياء من جذورها. كأنه أعاد لي القدرة على الربط بين التفاصيل التي كنت أظنها منفصلة الخۏف والوفاء والصدق والنجاة. دلنا بخطواته السريعة ونباحه الملح إلى حياة كانت تتآكل في الظل بصمت إلى إنسان أوشك أن يمحى لا لأنه ضعيف ولا لأنه ارتكب خطأ بل لأنه تجرأ يوما على قول الحقيقة في