رواية كامله


آمنا بعد سنوات من القلق ودورات تأهيل مهني أعادت إليهن الثقة وشبكات دعم جعلتهن يشعرن أنهن لسن وحدهن في هذا العالم. بعضهن ممن كن يخشين حتى اتخاذ قرار بسيط أسسن مشاريعهن الخاصة وصرن صاحبات عمل لا تابعات ولا محتاجات.
كنت أراقبهن بصمت وأرى نفسي في كل واحدة منهن في ارتباك البداية وفي الارتجاف الخفيف حين يطلب منهن أن يثقن بأنفسهن من جديد. كنت أعلم أن المال ساعد لكن الأهم كان الإحساس بأن هناك من يمد لهن يدا لا ليقودهن بل ليسير إلى جوارهن.
واصلت الكتابة لا بوصفها هواية بل كوسيلة للبقاء متماسكة. كانت الكلمات تخرج مني كما يخرج النفس من صدر اختنق طويلا. قرأ أحد المحررين بعض نصوصي ثم تواصل معي باقتراح بدا لي في البداية أكبر من اللازم نشر مذكراتي. ترددت ثم وافقت. أطلقت عليها اسم النوم على الأريكة اسما بسيطا لكنه كان يحمل كل ما عشته من انكسار وانتظار. حقق الكتاب نجاحا متواضعا لكنه كان عميق الأثر. وفي حفلات التوقيع كانت نساء من مختلف الأعمار يقفن أمامي بعضهن بعيون دامعة ويقلن إنهن شعرن للمرة الأولى أن أحدا رآهن حقا لا كأمهات أو زوجات أو أرقام بل كبشر.
وفي أحد تلك الأيام أثناء توقيع النسخ رأيت وجها مألوفا بين الحضور. كان مارفن وإلى جانبه دوروثي يحملان طفلهما بين أيديهما. تقدما بخطوات مترددة وكأن المكان لا يزال غريبا عليهما. وضعا الطفل بين ذراعي.
نريد أن يتعرف على جدته قال مارفن بصوت منخفض يحمل في طياته أكثر من معنى.
أمسك الطفل بإصبعي بقوة غير متوقعة كأنما يخشى أن أفلت منه. شعرت بشيء دافئ ينتشر في صدري لم يكن فخرا فقط بل أملا هادئا يشبه الضوء الذي يظهر بعد عاصفة طويلة. في تلك اللحظة أدركت أن العلاقات يمكن أن تنكسر نعم لكنها أحيانا تعاد صياغتها بشكل مختلف أقل براءة وأكثر صدقا.
لم أعد للعيش معهما ولم أرغب بذلك. لم يعد ذلك المكان بيتي ولم أعد أنا تلك المرأة التي تقبل أن تحشر في الزوايا. أصبحت لحياتي وجهة خاصة إيقاعها نابع مني لا من احتياج ولا من خوف. ومع ذلك استعدنا شيئا يشبه الاحترام لا ذاك القائم على الواجب بل ذاك الذي يولد من الفهم المتأخر.
في عيد ميلادي الخامس والستين أقمنا حفلا بسيطا في أول مركز للمؤسسة. لم يكن فخما ولا معدا لاستعراض أو احتفاء شكلي لكنه كان صادقا على نحو نادر. كانت الصدق هو الزينة الوحيدة التي احتاجها المكان. امتلأت القاعة بالزهور التي جلبتها النساء بأنفسهن كل واحدة تحمل باقة صغيرة كأنها توقيعها الشخصي على قصة نجاة. الموسيقى الحية كانت خفيفة لا تطغى على الأصوات بل تترك لها مجالا لتتنفس. نساء كثيرات وقفن هناك نساء غيرن مسارات حياتهن بأيديهن بعد أن قيل لهن طويلا إن الوقت قد فات. كانت الضحكات تتشابك مع القصص وكانت الذكريات الثقيلة التي طالما أخفيت في الصدور تتحول إلى شهادات قوة تروى بلا خجل.
حين صعد مارفن إلى المنصة لاحظت التردد في خطواته. أمسك بالميكروفون وتوقف لحظة أطول مما تقتضيه البروتوكولات كأن الكلمات علقت في حلقه قبل أن تجد طريقها إلى الخارج. نظر إلى الوجوه أمامه ثم إلى عيني وأخيرا قال بصوت لم يحاول
أن يجعله ثابتا
أود أن أقدم اعتذارا علنيا لأمي ليس فقط لأننا دفعناها إلى الرحيل بل لأنني لم أر يوما من تكون حقا. علمتني أن الكرامة لا تساوم وأن الفرص الثانية موجودة حتى