رواية كامله


حين نظن أننا أضعناها إلى الأبد.
في تلك اللحظة لم يكن التصفيق مجرد رد فعل بل كان اعترافا جماعيا. امتزجت الأيدي المصفقة بالدموع وشعرت بثقل الكلمات وهي تستقر في صدري. لم تكن جديدة علي فقد قلتها لنفسي مرارا لكن سماعها أخيرا بصوت آخر أمام الجميع كان كأن بابا قد أغلق أخيرا بعد أن ظل مواربا سنوات طويلة. تنفست بعمق وسمحت لسنوات من الصمت والكبت أن تخرج دفعة واحدة بلا خوف من الانكسار.
وحين جاء دوري وقفت بهدوء. لم أحتج إلى أوراق ولم أبحث عن جملة معدة سلفا. نظرت إلى الوجوه أمامي وجوه نساء يعرفن معنى السقوط والقيام. لم أتحدث عن المال ولا عن الجائزة ولا عن الأرقام التي تغري العناوين وتدهش الناس في ليلة واحدة. تحدثت عن المعنى عن ذلك الشيء الخفي الذي لا يمكن شراؤه ولا توريثه.
ظننت يوما أنني فقدت كل شيء قلت لكن فقداني لكل شيء أجبرني على أن أتوقف وأن أنظر إلى نفسي بصدق وأن أبحث عني ثم أجدني. المال منحني أجنحة نعم لكنه لم يعلمني الطيران. الذي علمني هو قراراتي وإرادتي حين اخترت ألا أعود إلى القاع. وهذا مهما تغيرت الظروف لا يستطيع أحد أن يسلبه مني.
رأيت مارفن يبكي من دون أن يحاول إخفاء دموعه ورأيت دوروثي تمسح عينيها بصمت كأنها تعترف بشيء لم تقله يوما. أما أنا وللمرة الأولى منذ زمن طويل شعرت بسلام لا يحتاج إلى تفسير أو دفاع سلام لا يقوم على تبرير الماضي ولا الخۏف من المستقبل.
بعد انتهاء الحفل خرجت إلى الحديقة. كان الليل هادئا على نحو يبعث الطمأنينة والسماء مفتوحة كما لم أرها منذ سنوات. شعرت كأن الهواء نفسه أوسع أخف. تذكرت تلك الليلة البعيدة حين وقفت في متجر صغير واشتريت تذكرة يانصيب بآخر ثمانية دولارات أملكها. كنت أرتجف حينها لا من البرد بل من العجز. ظننت أنني أشتري حظا فرصة أخيرة للهروب من الانكسار. لم أكن أعلم أنني في تلك اللحظة كنت أشتري شيئا آخر تماما حريتي.
فهمت أخيرا أن السؤال لم يكن يوما ماذا سأفعل بالمال
بل ماذا سأفعل بحياتي حين تتاح لي فرصة أن أختار لا أن أدفع
وكان الجواب أمامي يتجسد في الوجوه التي حولي وفي القصص التي بدأت من جديد وفي النساء اللواتي تعلمن أن يقفن من دون استئذان
أن أبني ما لم يبن لي وأن أساند من يشبهنني وأن أترك أثرا لا يقاس بالأرقام ولا يمحى مع الزمن.
إلى جانبي كان حفيدي يضحك بضحكة صافية لا تعرف شيئا عن الأريكة القابلة للطي ولا عن الخۏف ولا عن الليالي التي يقاس فيها الإنسان بما يملك لا بما يكون. كان الهواء معطرا بزهور جديدة وكأن المكان نفسه يحتفل ببدايات لا نهايات.
وفي تلك اللحظة ولأول مرة منذ أن ظننت أنني فقدت كل شيء أدركت أنني وصلت أخيرا
لا إلى مكان فحسب بل إلى نفسي.
وأيقنت بهدوء عميق أنني في بيتي.