رواية جديدة


كان مدخلا إلى خزان جوفي عذري لم تطله يد الجفاف تحميه طبقة من الصخور المعدنية. خرج ماتيو من البئر مبللا وهو ېصرخ فرحا بينما كانت المياه تتدفق على الأرض العطشى ويتلألأ الذهب تحت الشمس المكسيكية.
انتشر الخبر في القرى المجاورة انتشار الڼار في الهشيم لا يوقفه حاجز ولا يكذبه عقل. لم تمض أيام قليلة حتى صار اسم ماتيو يتداول في الأسواق وعلى ألسنة الرعاة وفي مجالس الشيوخ وفي بيوت الفقراء قبل الأغنياء. كان الناس يتحدثون بدهشة عن الأرض التي قيل إنها مېتة فإذا بها تنبض بالحياة وعن البئر التي سخر منها فإذا بها تتحول إلى نبع لا ينضب.
وفي أقل من أسبوع تغير وجه المنطقة كله. الأرض التي كان الغبار سيدها اخضرت أطرافها وسقيت الحقول التي طال عطشها. بينما كانت ماشية رودريغو تسقط واحدة تلو الأخرى في أراضيه المتشققة كان الماء يتدفق في أرض ماتيو بهدوء كريم كأنه يعرف أنه وصل إلى من يستحقه.
لم يعد الماء شحيحا في كوخ ماتيو صار يكفي لري زرعه وسقي دوابه ومساعدة جيرانه حتى أولئك الذين سخروا منه بالأمس.
أما الذهب فلم يكن لعڼة كما يخشاه البعض بل صار أمانة. لم يغره لمعانه ولم يسكره بريقه. استخدمه بحكمة وترو فبدأ ببناء مدرسة صغيرة من الحجر في موضع كانت تقوم فيه شجرة يابسة. مدرسة لا يسأل فيها الطفل عن نسبه ولا عن فقره بل عن حلمه.
صار الأطفال يأتون حفاة يضحكون يحملون ألواحهم الخشبية ويتعلمون القراءة والكتابة في مكان لم يكن قبل أسابيع سوى أرض منسية.
وكان الناس كلما رأوا هذا التحول تذكروا كيف باع رودريغو تلك الأرض وهو يضحك وكيف ترك ماتيو وحيدا أمام بئر جافة فصاروا يتهامسون إن العدالة قد تتأخر لكنها لا تخطئ الطريق.
مر شهر كامل تغير فيه كل شيء إلا قلب رودريغو الذي لم يعرف الراحة. فقد ماټ زرعه وهلكت ماشيته وتراكمت عليه الديون من كل صوب. لم تعد له هيبته القديمة ولا صوته العالي ولا ضحكته التي كانت ټرعب العمال.
وفي صباح باهت خرج من أرضه الخالية لا يمتطي جواده الأصيل كما كان يفعل دائما بل يسير على قدميه منكس الرأس يحمل قبعته بيده كمن يحمل اعترافه الأخير. كانت الشمس قد أحرقت جلده لا كما ټحرق الفلاحين العاملين بل كما ټحرق المتكبرين حين يسقطون.
وقف رودريغو عند مشارف أرض ماتيو يتردد قبل أن يخطو خطوة أخرى. رأى الأطفال يركضون بين الحقول الخضراء وسمع ضحكاتهم تمتزج بصوت الماء الجاري. رأى المدرسة قائمة والناس يدخلونها ويخرجون منها فشعر بثقل في صدره لم يعرفه من قبل.
نادى بصوت خاڤت لا يشبه صوته القديم
يا ماتيو
خرج ماتيو من بيته ببطء لا يحمل سلاحا في يده ولا ضغينة في قلبه بل يحمل هدوء رجل صادق