رواية جديدة


غريب يجثم على صدره ثقل الهزيمة الحقيقية لا تلك التي تقاس بخسارة مال بل تلك التي تقاس پانكسار النفس. كان ثقلا لم يعرفه في حياته مهما خسر أو ربح.
غير أن ماتيو لم يكن ذاهبا ليغلق بابا بل ليفتح معنى.
دخل بيته بهدوء وكأنه يدخل إلى أعماقه يستشير ضميره قبل أن يعود. لم يطل غيابه لكن تلك اللحظات بدت لرودريغو دهرا كاملا. ثم خرج ماتيو يحمل جرة ماء بارد صاف نقي يلمع تحت أشعة الشمس كأنه خلاصة الأرض كلها. بدا الماء فيها كأنه حياة سائلة وكأن الرحمة قد اتخذت شكلا يمكن لمسه وحمله.
ناول الجرة لرودريغو بيد ثابتة لا ترتجف ولا تتردد يد تعلمت من الفقر أن القوة الحقيقية ليست في المنع بل في العطاء وليست في الاڼتقام بل في السمو فوقه.
وقال بصوت هادئ خال من القسۏة والتعالي يحمل وقار رجل عرف قدر النعمة بعد حرمان طويل
الماء لا يمنع عن أحد يا سيد رودريغو. فالعطش لا يعرف غنيا ولا فقيرا ولا يميز بين من ظلم ومن صبر عليه. أما أرضي فليست للبيع. لقد بعتني بئرا جافة لتميتني لكن الله وهبني نبعا ليعلمك أن ثروة الإنسان ليست فيما يملك ولا في عدد أراضيه ولا في صوته العالي بل في نقاء يده وصدق قلبه.
ارتجفت يد رودريغو وهو يتناول الجرة لا من ثقلها بل من ثقل اللحظة نفسها. كان كأنه يحمل بين كفيه اعترافه كله ماضيه وخطيئته وسقوطه. شرب ببطء قطرة قطرة وكأنه يتذوق للمرة الأولى طعم التواضع الحقيقي طعم أن يحتاج الإنسان إلى غيره دون قناع.
شعر ببرودة الماء تسري في جسده المنهك تخفف من عطشه وتمنحه حياة مؤقتة لكنها لم تطفئ ڼار الندم المشټعلة في صدره تلك الڼار التي لا يطفئها الماء بل الصدق مع النفس.
رفع نظره فرأى ماتيو واقفا أمامه بثبات لا يتشفى بانتصاره ولا يتباهى بكرمه ولا ينتظر شكرا. كان يقف كما يقف من أدى واجبه الإنساني ثم سلم الأمر لضميره مطمئنا أن ما فعله هو الصواب مهما كانت النتائج.
غادر رودريغو المكان بخطوات متثاقلة وكل خطوة كانت تثقل قلبه أكثر. كان يعلم في قرارة نفسه أن الرجل الذي حاول تحطيمه يوما صار اليوم صاحب الكلمة في الوادي لا بقوة المال ولا بسطوة النفوذ بل بعدل الفعل ونبل الموقف وبقلب لم يفسده الظلم حين امتلك القدرة على الرد.
أما ماتيو فوقف بعد ذلك يراقب الماء وهو يسقي أرضه في هدوء. تأمل الحقول الخضراء وقد امتلأت حياة بعد مۏت وراقب الشمس وهي تنعكس على جداول الماء وسمع خريره كأنه صلاة لا تنقطع. عندها ترسخ في داخله درس صار جزءا من روحه درس لم ينسه ما عاش ولم يشك فيه يوما
حين تغلق شرور البشر بابا في وجهك
تفتح عدالة الله نهرا لا يجف.