رواية جديدة


صالحه القدر بعد طول صبر وعلمه الألم كيف يكون العفو قوة لا ضعفا. كان وجهه هادئا ملامحه ثابتة لا قسۏة فيها ولا شماتة كأن ما مر به لم يترك فيه إلا الحكمة. وقف أمام رودريغو ينظر إليه نظرة متأنية لا ازدراء فيها ولا خوف نظرة رجل رأى الحياة على حقيقتها
فلم تعد تدهشه تقلباتها.
كان رودريغو واقفا أمامه منكس الرأس وقد انكسرت في داخله تلك الصورة القديمة التي كان يراها في المرآة كل صباح صورة الرجل المتجبر الذي لا يرد له طلب ولا يناقش له أمر. بدا الآن أصغر مما كان أضعف مما تخيل نفسه يوما. حاول أن يتكلم لكن صوته خرج متقطعا مبحوحا وكأن الكلمات تأبى أن تنقذه.
قال بصوت مكسور وقد خانته عباراته وتعثرت كرامته قبل لسانه
بعني قليلا من الماء أدفع لك ما تشاء. أعد إلي الأرض وسأعطيك ثلاثة أضعاف ما دفعته أنقذني.
لم يجبه ماتيو فورا. ظل واقفا في مكانه يحدق في رودريغو طويلا صامتا وكأن الزمن توقف بينهما. كان صمته أثقل من أي كلمة وأبلغ من أي عتاب. في تلك اللحظات انفتح في داخله شريط طويل من الذكريات رأى نفسه يوما جاثيا على الأرض يضم أوراق البيع بيدين مرتجفتين يسمع ضحكات السخرية تتردد فوق رأسه ويرى نظرات الشماتة في عيون الناس. رأى الرجل الذي أمامه وهو يضحك بلا رحمة لا يكتفي بأن يسلبه ماله بل يحاول أن يسلبه كرامته وأن ېقتل فيه الأمل وأن يتركه يواجه العطش والمصير وحده.
لكن الصورة لم تكتمل عند هذا الحد. ففي اللحظة نفسها التي استعاد فيها ماتيو قسۏة الماضي لاح أمامه وجه آخر لرودريغو وجه لم يكن يعرفه من قبل. لم يعد ذاك الرجل الذي كان صوته يهز الوادي ولا ذلك المتجبر الذي كان يظن أن الأرض والماء والناس خلقوا لخدمته. كان أمامه الآن رجل أرهقه الزمن حتى نحت ملامحه وكساه الجفاف قسۏة لم يعهدها في أيام الرفاه وانتزع منه غروره قطعة قطعة كما تنتزع القشرة اليابسة عن چرح قديم.
لم يبق من سلطته سوى ذكرى ولا من جبروته سوى ظل باهت. أوقفه القدر فجأة أمام حقيقته العاړية وأجبره على مواجهة ضعفه دون وساطة مال أو نفوذ.
استدار ماتيو دون أن ينطق بكلمة. لم يكن صمته هروبا بل كان قرارا. كانت خطواته هادئة ثابتة محسوبة لا تحمل ڠضبا ولا ترددا كأنه يسير على يقين داخلي لا يحتاج إلى شرح. تقدم نحو بيته كما لو أنه ينسحب من معركة داخلية طويلة لا ليتركها معلقة بل ليحسمها بأكثر الطرق إنصافا.
راقبه رودريغو وهو يبتعد فغلبه الظن أن الرفض قد وقع وأن الأبواب التي أغلقها يوما في وجه هذا الرجل تعود الآن لتغلق في وجهه هو. انحنى رأسه أكثر وشعر بثقل