رواية الطاووس الأبيض بقلم منال سالم الفصل المائة وخمسة


بعمق ليكبح نوبة تتجدد بداخله لتنفيذ طلبها ثم الټفت ناحيتها ونظر إليها بنظرات جادة لا تحمل سوى الوعد ورجاها بزفير ثقيل طرد معه قدرا ضئيلا مما يعتريه من مشاعر هائجة
انزلي دلوقتي يا أبلة.
ردت عليه برفض معاند
لأ مش نازلة.
لم يتحرك قيد أنملة وبقي ساكنا صامتا ينظر إليها بنظرات غير تلك الهائمة الساهمة التي اعتادت عيناه عليه نظرات عبرت عن رغبته في محو أي تعاسة حطت بها. فسرت همسة صمته الطويل بأنه يمنع نفسه من التفوه بحماقة لذا بادرت بالتحرك وحاوطت توأمتها من كتفيها فانتفضت الأخيرة عندما هبطت يدها لتلمس ذراعها المتورم دون قصد وتطلعت إليها بعينين حادتين فأخبرتها الأولى بتوسل شديد
استهدي بالله يا فيروزة واسمعي الكلام.
هتفت في عناد أكبر
مش هاسيب حقي يا همسة.
تلك المرة أكد عليها تميم بصوت لم يكن بالمازح أبدا
هتاخديه بس من غير پهدلة ليكي.
تكرر صياح الجد الآمر مع لكزة من عكازه على الأرضية الصلبة
يالا أوام ولو مجابوش ليكي يبقالك الكلام.
اضطرت مرغمة أن تتراجع عن عنادها المهلك وبدأت تنسحب خلف الجد الذي كان أول الهابطين ليظل تميم باقيا في مكانه حتى تأكد من نزولها حينها فقط تنفس الصعداء وتبعهم لكن توقف غالبيتهم بالتدريج عن الهبوط عندما وصلوا للطابق المتواجد به منزل همسة فالشرطة قد اقټحمت البناية وبدأت في التحري عن البلاغ الذي تم التقدم به. صاح الضابط بصوته الجهوري الصارم
كله ثابت! محدش يتحرك من مكانه.
مر تميم بينهم ليتجاوزهم ووقف قبالة الضابط يسأله بوجهه المتصلب
في إيه يا باشا
كما سأله الجد أيضا
خير يا حضرت الظابط
بنظرة شمولية فاحصة لكل وجه على حد أجاب الضابط
جالنا بلاغ إن في حالة خطڤ.
من تلقاء نفسها قامت همسة بتفسير تصرفها بتلعثم مرتبك
أيوه .. ده أنا آ...
لم يرغب تميم في توريط أي فرد قانونيا لهذا أعمل عقله سريعا وتصرف بسرعة بديهة فقاطعها بلهجة بدت خشنة وجافة مخاطبا الضابط ليتولى تفسير الموقف عنها
لا مؤاخذة يا باشا مرات ابن خالتي خاڤت لما شافت حد غريب عندها أصله كان حرامي جاي يسرق الشقة وافتكرها فاضية واتعرض لأختها لما شافها فكلمتكم تلحقوها.
نظر الضابط في اتجاهه وسأله بعدم اقتناع بنبرته المحققة
كده في عز الضهر!!
تحدث من زاوية فمه بنوع من التهكم
ما هو حرامي غشيم مش متودك في الشغلانة.
علق عليه الضابط متسائلا بجدية وهو يطالعه بنظراته المتشككة
وإنت بقى عارفه
تدخل الجد قائلا بتنهيدة متعبة
يا حضرت الظابط الحمدلله الحكاية عدت على خير ولحقنا بناتنا.
تحولت أنظار الأخير ناحيته ليسأله في استهجان
وراح فين الحرامي ده
أجاب تميم عن جده رافعا كفيه في الهواء
فص ملح وداب.
تأمل الضابط الكدمات والعلامات الحمراء الجافة المطبوعة على جلده وشعر بالاسترابة مما يلفق من أكاذيب فهدر به بحدة
بالبساطة كده هو إنت بتكلم واحد أهبل.
أخفض كفيه وقال ببرود
لأ لا سمح الله ده اللي حصل.
نظر له بنظرة دونية قبل أن يقول
هنشوف ده بلاغ رسمين وهيتحقق فيه بطريقتنا.
بابتسامة شبه مغترة لاحت على ثغره استطرد معقبا عليه
براحتك يا باشا شوف شغلك.
خبت نبرته للغاية ليبدو كأنما يعاهد نفسه مجددا وقلبه يرنو دون عينيه إلى حبيبة ليست ببعيدة عنه إن كان يحول بينهما الموج فلن يتخلى عنها لعل وعسى ذات يوم ينفذ سهم العشق إليها فتدرك حينئذ ما ضمرته الروح لها من كل درجات الهوى
راسك عمرها ما هتطاطي طول ما أنا عايش ..!!!