رواية كامله


الحياة فحسب بل كانت ستكشف قاټلة.
في تلك الليلة عادت فالنتينا تحمل أكياسًا من متاجر فاخرة وابتسامة مشرقة.
أمي، اشتريتُ لكِ وشاحًا جميلًا. جرّبيه.
كان الحرير الأخضر الزمردي ناعمًا، لكنه بدا لي كأفعى. قرّبته من عنقي متظاهرةً بالامتنان.
شكرًا يا ابنتي.
عندما صعدتُ إلى غرفتي شعرتُ بنظرتها تلاحقني، متوجسة، كأنها تشمّ أسراري.
في اليوم التالي استيقظتُ قبل الفجر. ارتديتُ فستانًا رماديًا بسيطًا، جمعتُ شعري، ونزلتُ محاوِلةً أن أبدو طبيعية. كانت فالنتينا في المطبخ تُعدّ إبريقًا من شاي الأعشاب.
استيقظتِ باكرًا يا أمي. أعددتُ لكِ شايًا، سيساعدكِ على الاسترخاء.
كان عبير البابونج والنعناع يهدئني في الماضي، أما الآن فأثار اشمئزازي. تناولتُ الفنجان، تظاهرتُ برشفة، وتركته كما هو.
إنه ساخن. سأشربه بعد قليل.
ابتسمت فالنتينا، لكن كتفيها توتّرا لحظة خاطفة، تفصيل صغير كالسلك المشدود.
كذبتُ وقلتُ إن لدي موعدًا مع السيدة سوتو في نادي القراءة. استقللتُ سيارة أجرة، وكنتُ طوال الطريق أضغط حقيبتي كأنها تحتوي حياتي.
كان مقهى لا سومبرا مختبئًا في زقاق ضيق. في الداخل تفوح رائحة القهوة المحمّصة والصحف القديمة. رأيته في الخلف، جالسًا إلى طاولة قرب نافذة تتدلى منها نباتات متسلقة.
توقف قلبي ثم اندفع.
حين التفتَ، عرفته رغم نحوله والهالات الداكنة تحت عينيه والندبة الصغيرة على جبينه. عيناه ظلتا عيني ابني.
أمي
تشبثتُ به كما تتشبث الأم بمعجزة عادت من الغياب.
أين كنت؟ ولماذا لماذا فعلتَ بي هذا؟ سألته بين دموعي.
أغمض إلياس عينيه كمن يبتلع حجارة.
سامحيني. لم أستطع العودة قبل الآن.
أجلسني وخفّض صوته.
أمي، أريدكِ أن تجيبي عن شيء. ماذا قالت لكِ فالنتينا عن ليلة موْتي؟
أخبرته بما ظلّت تردده عامين حفلة على يخت، كحول، قفز، رأيته يغرق، لم أستطع إنقاذه. كل عبارة كانت تحرقني.
قبض إلياس يديه.
كل ذلك كڈب. تلك الليلة سمعتها تتحدث في الهاتف. كانت تقول إن وثيقة التأمين وإنكِ وإن نوبة قلبية مفاجئة وإن أحدًا لن يشك.
شعرتُ بأن الأرض تميل.
أن تقتلني؟
نعم. واجهتُها. اعترفت بأنها غارقة في ديون وأنها مُهدَّدة. وعندما قلتُ إنني سأطلّقها وأحميكِ دفعتني من فوق السطح.
غطيتُ فمي.
كيف نجوت؟
تنفّس بعمق.
جرفتني الأمواج إلى صخور. ارتطمتُ برأسي وفقدتُ الذاكرة. وجدني زوجان من الصيادين، دون ماورو ودونيا إيسابيلا. عشتُ معهما عامين. عملتُ وصِدتُ السمك. كنتُ شخصًا آخر. حتى رأيتُ يختًا يمرّ يومًا فعادت إليّ ذاكرتي. تذكّرتُ وجهكِ، وعرفتُ أن عليّ العودة.
نظر إليّ بثبات.
أمي، فالنتينا ما زالت تحاول قتلكِ. لا تخبريها شيئًا. نحتاج إلى أدلة.
أخرج قارورة زجاجية صغيرة.
الليلة خذي الشاي، ابتسمي، لكن لا تشربيه. احتفظي بعينة هنا. سنحلّله.
عدتُ إلى المنزل أشعر بأن القصر قفصٌ مليء بالفخاخ. استقبلتني فالنتينا بابتسامتها المعتادة.
هل استمتعتِ يا أمي؟
نعم يا ابنتي.
في تلك الليلة، حين أحضرت لي فنجان البابونج، كان عبيره بطعم المۏت.
هذا شايكِ.
شكرًا يا حبيبتي.
تظاهرتُ