رواية كامله


بحذر، يتساءلون عمّا يحدث. لم ألتفت إليهم. لم يكن يهمّني ما سيُقال. كان يهمّني فقط أنني ما عدتُ هدفًا في خطةٍ مظلمة.
في الأيام التالية، تحوّلت قصتنا إلى حديث الصحف والبرامج. الابن المېت الذي عاد حيًا. زوجة حاولت تسميم حماتها بالزرنيخ. كان الناس يتحدّثون بدهشة، بفضول، أحيانًا پشماتة. أما أنا، فكنت أعيش الأمر كخاتمةٍ شخصية، لا كعنوانٍ مثير.
في المحكمة، حاولت فالنتينا أولًا التمسك بالإنكار. لكن عندما عُرض تقرير المختبر، وتسجيلها الصوتي، وفيديو الطائرة المسيّرة، انطفأت مقاومتها. جلست في قفص الاتهام كمن أدرك أخيرًا أن الكذب لا يستطيع أن يبتلع كل الأدلة.
اعترفت في النهاية.
قالت إن الديون كانت ټخنقها، وإنها رأت في التأمين خلاصًا. قالت إن الأمر خرج عن السيطرة. لم تنظر إليّ أثناء اعترافها. لم تطلب الصفح.
حُكم عليها بالسجن لسنوات طويلة، مع أمر قضائي يمنعها من الاقتراب مني أو من إلياس إلى الأبد.
عندما صدر الحكم، لم أشعر بالشماتة. شعرتُ بالسکينة. كأن دائرةً أُغلقت أخيرًا.
لكن العدالة لا تشفي الجسد فورًا.
استغرق جسدي شهورًا ليتعافى. الزرنيخ لا يغادر بسهولة. كان عليّ أن أخضع لعلاجات طويلة، وفحوصات متكررة، وحِمية صارمة. في بعض الأيام كنت أشعر بضعفٍ شديد، كأنني عدتُ إلى تلك الليالي التي كنت أظن فيها أنني أحتضر.
غير أن شيئًا واحدًا كان يمدّني بالقوة كل صباح، حين أفتح عينيّ، أرى ابني في المطبخ.
كان يقف أمام الموقد، يعدّ القهوة بيدين خشنتين اكتسبتا صلابة البحر. كان يبتسم لي ابتسامة صافية، لا تشبه ابتساماته القديمة المرهقة من العمل في المدينة.
صباح الخير يا أمي.
تلك الكلمات كانت علاجًا لا يُقاس بوصفة طبية.
كان يساعدني في المشي أحيانًا، يرافقني إلى الحديقة، يجلس إلى جانبي حين أشعر بالدوار. لم يكن في تصرّفاته ذنبٌ أو شفقة، بل امتنانٌ هادئ للحياة التي أعيدت إليه.
في أحد الأيام اقترح أن نزور الساحل.
أريدك أن تتعرّفي على من أنقذني حقًا قال.
سافرنا معًا إلى القرية الصغيرة حيث يعيش دون ماورو ودونيا إيسابيلا. كانت البيوت متواضعة، والبحر قريبًا إلى درجة أن صوته يُسمع من خلف الأبواب.
عندما رأتني دونيا إيسابيلا، احتضنتني بقوة.
لقد كان مثل ابننا قالت لكنه لم يتوقف يومًا عن البحث عن وجهٍ في ذاكرته.
قدّمتُ لهما سلة مليئة بالهدايا، لكنني شعرت أن أي شيء أحمله لا يكفي. الشكر بدا صغيرًا أمام ما فعلوه.
جلسنا جميعًا قرب الشاطئ. كان البحر هادئًا، مختلفًا عن ذلك البحر الذي ابتلع ابني يومًا.
خلع إلياس حذاءه، وغمس قدميه في الماء، ثم نظر إليّ.
خسرتُ عامين يا أمي.
اقتربتُ منه ، كما كنت أفعل حين كان طفلًا.
لا يا بني. لقد استعدناهما اليوم.
ابتسم، وأغمض عينيه للحظة، كأنه يتذوّق معنى الجملة.
وقفتُ هناك، والريح المالحة ټضرب وجهي، وأدركتُ شيئًا لم أظنني سأقوله بعد أن أقمتُ له قداسًا بلا جثمان.
أدركتُ أن
الفقد ليس دائمًا نهاية.
أن البحر قد يأخذ، لكنه أحيانًا يعيد.
أن الخېانة قد تزرع سمًا في فنجان بابونج، لكن الحقيقة قادرة على كشفه.
وأن الحب، مهما بدا مستحيلًا، قد يعود حتى لو جاء عند الفجر، في مكالمةٍ ترتجف فيها الأصابع، وفي همسةٍ تقول أمي افتحي لي. أشعر بالبرد.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد رنين الهاتف يرعبني.
بل صار يذكّرني بأنني سمعتُ المستحيل وصدّقته.