رواية كامله

وفتحت الدرج اللي حاطة فيه الورقة الصغيرة. فضلت تبص عليها شوية، وبعدين نادت رحاب. لما طلعت لها، مدت لها الورقة وقالت: "خديها، دي بتاعتك". رحاب اتفاجئت وقالت: "لا خليهالك ذكرى". سعاد هزت راسها وقالت: "الذكرى دي مش عشان نفتكر خوف، عشان نفتكر إننا اخترنا الرحمة بدل القسۏة. وإنتِ خلاص بقيتي قوية، مش محتاجة تعتذري عن تعبك تاني". رحاب حضنتها حضڼ طويل، حضڼ بنت لقت أم مش خصم.

السنين عدت، وكل ما البيت كان يعدي بموقف صعب، كانوا يرجعوا للحظة دي. لحظة الباب اللي اتفتح بعصبية واتقفل بحنان. ولما ربنا رزق رحاب بطفلة صغيرة بعد فترة، سعاد كانت أول واحدة تشيلها وتهمس في ودنها: "إحنا في البيت ده بنتعلم نسمع قبل ما نحكم". رحاب كانت بتبص لها بعين فيها امتنان عميق، لأنها عرفت إن أصعب اختبار في حياتها كان أول يوم، وإن نجاحها ما كانش في إنها تثبت قوتها، لكن في إنها كتبت كلمتين صادقين غيروا قلب حد تاني.

وهكذا، البيت اللي كان ممكن يبقى ساحة صراع بين جيلين، بقى مساحة أمان بتكبر مع كل اعتراف وكل كلمة طيبة. وسعاد كل ما تسمع حد يقول إن الحما والكنة لازم بينهم شد وجذب، تبتسم بثقة وتقول: "مفيش علاقة محكومة بالفشل... في علاقة محتاجة شوية شجاعة تعترف، وشوية رحمة تسامح".
///////////////////
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين

وهم الغربه بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

أنا اسمي هالة. عشر سنين جواز من سامح، كنت دايمًا بقول إن صبري ده هو "الاستثمار" اللي هجني ثمنه في الآخر. عشر سنين من عمري فاتوا وأنا مابين أربع حيطان، شايلة شيلة بيت كامل لوحدي؛ أنا الأب وأنا الأم، وأنا السباك والكهربائي، وأنا اللي بذاكر وأنا اللي بودي تمارين.

سامح كان بالنسبة لي "البطل" اللي مضحّي بحياته وشبابه في ڼار الغربة عشان يبني لنا جنة هنا في مصر. كان بينزل شهر واحد في السنة، شهر كنت بفرش له فيه الأرض رمل، وبنسى فيه كل تعب السنة بمجرد ما يدخل من الباب العيال. كان دايمًا يمسك إيدي ويقولي بنبرة كلها شجن: الكاتبه نرمين عادل همام

– "استحملي يا هالة.. الغربة دي بتاكل في عمري، والوحدة هناك بتقتل، بس كله يهون عشان أشوفكم في أحسن حال.وابني مستقبل للعيال"

كنت بصدقه.. بصدقه لدرجة إني كنت بحس بالذنب لو اشتريت لنفسي طقم جديد في العيد، كنت أقول "حرام.. سامح هناك بيتحرم من لقمة هنية عشان يبعت لنا القرش ده". كنت بحوش الجنيه فوق الجنيه، وعيني على الحلم الكبير.. (مستقبل العيال)

كل يوم بالليل، كنت بستنى مكالمة الفيديو بفارغ الصبر. كان يفتح الكاميرا، وأشوفه قاعد في أوضة ضيقة جداً، دهان حيطانها مقشر، وسرير حديد قديم بيطلع صوت مع كل حركة، ومروحة سقف بتزيّق كأنها بتنازع. كان يمسح العرق من على جبينه ويقولي بصوت مجهد: – "شايفة العيشة يا هالة؟ أهو ده اللي أنا فيه طول اليوم.. شغل 12 ساعة ومرواح على الأوضة دي، مابشوفش حد ولا بكلم حد غيركم."الكاتبه نرمين عادل همام

كنت بقعد أعيط.. أعيط عليه مش منه. كنت أدعي له في كل صلاة إن ربنا يهون عليه ويفتحها في وشه. كنت ببعت له صور العيال وهما بيكبروا، وصور الأكل اللي بحبه وأقوله "نفسي تكون معانا وتدوقه"، وهو يرد: "لقمتي هنا ناشفة يا هالة، بس الحمد لله."

بنيت له في خيالي تمثال من الوفاء والټضحية. كنت حارمة نفسي من الخروج مع صحباتي، ومن زيارة أهلي بانتظام عشان أوفر مواصلات وهدايا، كنت "عايشة على الويتينج" زي ما بيقولوا، مستنية اللحظة اللي يرجع فيها نهائي.

لحد ما جه اليوم اللي غير مسار حياتي كلها.. يوم عادي جداً،وهو هنا في الاجازة

فتحت الاستديو في الفون عنده لاقيت صور بنت صغيرة  وسامح وواقفه جنبهم ست بتضحك وحاضنه سامح. الكاتبه نرمين عادل همام

سامح كان واقف قدامي، ريحة الشامبو والسکينة اللي كانت ماليّة وشه خلتني أحس إني كنت عايشة مع "ممثّل" عالمي لمدة عشر سنين. ابتسامته اللي كانت بتهوّن عليا الأيام، بقت دلوقتي زي السم في عيني.

بصيت للموبايل اللي لسه في إيدي، الصورة كانت لسه منورة الشاشة.. البنت اللي عندها 5 سنين، والست اللي لابسة دهب يغطي عين الشمس وشكلها من عند اهله بالبلد ، والبيت اللي شبه القصور. فين "المرتبة القطن" اللي كان بيقول إنه بينام عليها وظهره بيوجعه؟ فين "العيشة اللي تقصر العمر" اللي كان بيحكي عنها وهو بيعيط في التليفون؟

لو من عند اهله من البلد يعنى اهله عارفين يعنى خدمتى لهم ماقدروهش ماهو طبعا لاحيتجوز ولا يخلف ومابيلغش امه ولا اخواته. الكاتبه نرمين عادل همام

سامح قرب مني بجهل تمام باللي بيحصل: – "يا هالة.. ردي عليا، مالك؟ العيال فيهم حاجة؟ ولا حد زعلك من أهلي تحت؟"

قفلت الموبايل بسرعة وحطيته على الكومودينو وحاولت أجمع شتات نفسي. النفس كان بيطلع من صدري بصعوبة، وكأن فيه إيد بتخنقني. قلت له بصوت مېت، بحاول أخبّي الرعشة اللي فيه: – "مفيش.. الضغط واطي شوية يا سامح، يمكن من وقفة المطبخ طول النهار."الكاتبه نرمين عادل همام

صدقني ببرود غريب وقال: – "طيب يا حبيبتي، ارتاحي شوية، أنا هنزل أقعد مع الجماعة تحت ساعة كدة، وأطلع ألاقيكي بقيتي كويسة عشان نلحق نتعشى."

نزل وسابني.. سابني مع حطام عشر سنين. أول ما قفل الباب، رجلي ما شالتنيش، قعدت على الأرض والدموع نزلت زي الشلال بس من غير صوت.. كنت خاېفة العيال يسمعوني.

فتحت الموبايل تاني.. كنت بقرأ التاريخ اللي على الصور. الصور بقالها سنين، يعني البنت دي جت للدنيا وإحنا هنا بنعد الجنيه عشان نشتري "باكو لبن" علشان نحوش للبيه. يعني الست دي كانت بتلبس دهب من شقاه،

 

 

 

بدأت أفتش في الرسايل.. لقيت عالم تاني. رسايل حب وغرام، رسايل بتقوله "وحشتنا يا بابا"، رسايل عن ايجار البيت الواسع وتصليح التكييف. فهمت ليه كان بيكلمني فيديو من أوضة ضيقة.. كان أكيد مأجر أوضة كئيبة بس عشان يمثل فيها دور "الشهيد"، وبعد المكالمة يرجع لمراته التانية وبنته وقصره!الكاتبه نرمين عادل همام

حسيت إني كنت "حصالة" بالنسبة له.. شريكة في الفقر والهم، والست التانية شريكة في العز والرفاهية. بس السؤال اللي كان بياكل عقلي: إزاي؟ إزاي قدر يعيش الشخصيتين دول؟ وإزاي قدر يشوف دموعي عليه وهو عارف إنه بيغفلني؟

قمت من على الأرض، مسحت دموعي، وبصيت لنفسي في المراية. هالة اللي كانت "طيبة وعببيطة" ماټت في اللحظة دي. فتحت الدولاب، وطلعت "شنطة الورق" اللي هو شايلها، وبدأت أدور.. كنت عايزة أعرف الست دي مين، وجوازهم تم إمتى، والأهم.. الفلوس اللي حولتها له طول السنين دي راحت فين؟

كملت الشهر مع سامح وكأن مفيش حاجة حصلت. كنت بقوم من جنبه بالليل، وهو نايم بيحلم بأكاذيبه، وأدخل المطبخ، أشرب مية ساقعة عشان أطفي الڼار اللي في صدري. كنت بطبخ له أحلى الأكلات اللي بيحبها، وأنا ببص له وبقول في سري: "كُل يا سامح.. كُل بألف هنا، عشان دي آخر لقمة هتاكلها من إيدي."

كنت بضحك في وشه، وبدلع العيال قدامه، وبسمع حكاويه عن "تعب الشغل" و"قرف السكن" وأنا بهز راسي وبقوله "ربنا يعينك يا حبيبي". بس في الحقيقة، كنت في كل لحظة بختلسها بعيد عنه، بكلم المحامي.

أول حاجة عملتها، سحبت التوكيل العام من الدرج وصورته وبعته للمحامي "واتساب". سألته: "ينفع أبيع لنفسي بموجب التوكيل ده؟" رد عليا: "طالما التوكيل ساري وفيه بند البيع للنفس وللغير، تقدري تظبطي الدنيا." وفي ظرف أسبوع، كنت ماضية على عقود بيع الشقة التمليك والأرض اللي في البلد لنفسي بصفة قانونية، وسجلتهم في الشهر العقاري وهو قاعد في الصالة بيتفرج على الماتش!الكاتبه نرمين عادل همام

يوم سفره، وصلته المطار، وحضنته، وبكيت.. بس مكنتش ببكي على فراقه، كنت ببكي على العشر سنين اللي ضاعوا مع "تمثال رمل".

وبعدها باسبوع رفعت قضية طلاق للضرر، وبعت له رسالة واحدة: "يا تطلق بالمعروف، يا الخلع هيكون الڤضيحة اللي هتخلص عليك وعلى مستقبلك هناك".

المضحك المبكي إن سامح لما جيه يتجوزني، ما دفعش غير مية جنيه مهر، لا شبكة تليق ولا فرح يحكوا عنه، وبحجة "بنامن مستقبلنا" وافقت وبدأت معاه من الصفر، قصدي من "تحت الصفر". لكن الست اللي هناك، سافرت له بفستان الفرح، بعقد جواز أخوه هو اللي مضى عليه بتوكيل، راحت له "جاهزة" على العز اللي أنا بنيته.الكاتبه نرمين عادل همام

أهله جولي البيت، داخلين بوش "التقوى والورع" والتحايل: – "يا هالة يا بنتي، الراجل غريب ومحتاج ست تخدمه وتؤنس وحدته، والشرع محلل أربعة، ليه تخربي بيتك وتيتمي عيالك؟"

رديت عليهم بضحكة ۏجع: – "وحدته؟ ده متجوز مخلف بنت عندها 7 سنين وولد اصغر! يعني الوحدة دي بدأت وأنا لسه بخيط هدوم ولادي عشان ملقيش قرش زيادة أصرفه! عيالي ميتيمين وأبوهم عايش، يتّمهم لما قرر ياخد شقاي ويديه لواحدة تانية تلبس بيه دهب وتعيش في قصور. أنا مأمنتش مستقبل عياله اللي هناك.. أنا أمنت مستقبل عيالي أنا، وده حقي تمن العشر سنين اللي ضاعوا من عمري."

أنا فعلاً حسبتها، عشر سنين جواز، كان بينزل فيهم شهر واحد.. يعني مجموع حياتي معاه "فعلياً" مكملش سنة! سنة واحدة مقابل تسع سنين شقى ووحدة وتربية ومسؤولية لوحدي.

دلوقتي، أنا غيرت شريحة التليفون، قفلت باب "الزن" والتحايل، ومحاولاته إنه يرجع "يتمسكن" عشان يرجع اللي ضاع منه. الأرض اللي في البلد، اللي كانت حلم أهله، هبيعها. أيوه هبيعها ومش هخلي له فيها ريحة، والفلوس دي مع اللي حوشته هفتح بيهم "ماركت كبير" في منطقة حيوية.الكاتبه نرمين عادل همام

مشروع يخليني "ست نفسي"، ماركت باسمي أنا، يضمن لبناتي عيشة كريمة وتعليم غالي، عشان لما يكبروا ميرضوش بـ "مية جنيه مهر" ولا يستنوا حد "يأمن مستقبلهم".

أنا مش ندمانة، أنا أخدت تمن سنيني اللي فاتت كاش، وسبت له هو "العز" اللي هناك يعيش فيه.. عز مبني على باطل، وأهو قاعد هناك والنهاردة أنا اللي كسبت.. كسبت نفسي.

تمت

الكاتبه نرمين عادل همام
////////////////////
بعد ١٢ سنة خدمة وتنازل عن طموحي عشان يلمع هو، اكتشفت إنه مش بس عايزني أدفع نص مصاريف البيت.. ده كان حاسب تمن "النفس" اللي بتنفسه في شقته، ومجهز ورقة طلاقي