رواية كامله

مخبيها بقالها شهور، وحامل كمان! ومنه هي "الشيف" اللي بتطبخ وتتعب عشان ضرتها تتغذى بلاش!
منه رجعت البيت، جسمها بيترعش بس عقلها شغال زي الساعة. دخلت المطبخ، بصت للحجارة والحلل اللي شهدت على شقاها الشهور اللى فاتت  دي كلها عشان خاطر واحد طلع "بيسترزق" بتعبها لبيت تاني.
منه قعدت طول الليل ما نامتش. كل ما تقفل عينها تشوف وش “صافي” وهي بتقول: البيبي كان ھيموت من الجوع.
والأصعب؟ تشوف نفسها وهي واقفة في المطبخ زي المغفلة… بتطبخ للي خطفت جوزها.
مع الفجر قامت توضّت وصلت ركعتين، وقالت: “يا رب، أنا مش طالبة ظلم حد… بس وريني حقي، وإديني قوة ما أتهزش.”
تاني يوم، محروس دخل عليها بنفس الدور: — “منه، زودي الأكل النهارده شوية، الناس الغلابة كتير.”
ابتسمت ابتسامة هادية أوي وقالت: — “ولا يهمك… بس المرادي أنا اللي هوديه بنفسي.”
اتلخبط: — “لا لا… تعبك ليه؟ أنا أوصلهم.”
بصتله في عينه لأول مرة من شهور وقالت: — “لا… أنا حابة أشوف بعيني فرحة الغلابة.”
حاول يتهرب… ما عرفش.
ركبوا العربية سوا.
وصل لنفس العمارة.
منه نزلت قبله، طلعت السلم، ودقّت الجرس بإيد ثابتة.
“صافي” فتحت…
وشافت قدامها ست واقفة شايلة شنط الأكل، وعيونها مليانة ڼار.
— “حضرتك مين؟” ردت منه بصوت واطي بس قاطع: — “أنا اللي بطبخلك.”
محروس دخل وراهُم، وشه اصفر: — “منه… اسمعيني بس…” قاطعتُه: — “لا… اسمعني إنت.
الأكل ده كان على نية الغلابة، مش على نية خېانتك.”
بصّت لـ صافي: — “ماتزعليش مني، إنتي مغشوش فيكي زيي… بس جوزي مش راجل، وأنا مش هكمل مع واحد يطعمني كدبة ويشبع غيري بتعبي.”
سابِت الأكياس على الأرض، وطلعت.
رجعت بيتها، جمعت هدومها في شنطة صغيرة، وكتبتله ورقة:
“كنت فاكرة إني بطبخ لله… طلعت بطبخ لخېانتك.
البيت اللي دخلته بضمير، أسيبه بكرامة.”
ومشيت.
بعد شهور…
منه فتحت مشروع أكل صغير باسمها.
الناس بقت تقول: “أكلها طعمه مختلف… طعم حد موجوع بس شريف.”
ومحروس؟
اټخانق مع صافي، وأمها سابت الشقة، والبيت اللي اتبني على الكذب… وقع لوحده.
أما منه؟
بقت تطبخ للغلابة بجد…
بس المرادي من غير ما حد يسرق ثوابها.
////////////////////
أول ما العزومة خلصت، والبيت فضي من صوت الضحك والكراسي المتزحلقة، قفلت باب الشقة وأنا حاسة بتعب جميل… التعب اللي ييجي بعد يوم فرح طويل.
دخلت أوضة الأطفال أجيب بنتي “سلمى” عشان ننام، كانت نايمة على السرير الصغير، شعرها مفروش على المخدة ووشها منوّر من كتر اللعب. شيلتها على كتفي وأنا بابتسم، وأنا بقول في سري:
“الحمد لله… أخيرًا لقيت الأمان.”
الشقة الجديدة كانت حلم بالنسبة لي. أحمد كتبها باسمي وقال إنها هدية جوازنا، بداية نظيفة بعد سنين التعب اللي قضيتهم في المحاكم مع طليقي. كنت فاكرة إن ربنا بيعوضني عن اللي شوفته زمان، براجل شكله طيب، هادي، وبيعامل بنتي كأنها بنته.
دخلت المطبخ أحضّر كوبايتين شاي ليا وله. كنت عايزة نقعد في الصالة الفاضية ونضحك ونفتكر يومنا.
لكن وأنا في المطبخ، لاحظت إن النور في الصالة مطفي، وصوت أحمد وأخته واطي قوي. كانوا بيتكلموا بنبرة مش شبههم.
قربت على مهلي من الطرقة اللي بتوصل للصالة… ووقفت.
سمعت صوت أخته “سماح” فيه ڠضب مكتوم:
— «أنت إيه اللي خلاك تكتب الشقة باسمها؟ دي لسه مكملتش شهرين معاك!»
أحمد رد بهدوء غريب، هدوء يخوّف:
— «إنتِ مش فاهمة… الشقة دي مش هدية، دي خطوة في خطة.»
قلبي دق بسرعة.
سماح قالت:
— «خطة إيه؟»
قال:
— «أبو بنتها كان سايب لها خزنة في البنك. محدش يعرف مكانها غيرها… وأنا لازم أوصل لها.»
جسمي اتجمد.
سماح قالت بلهفة:
— «يعني إيه؟»
قال أحمد وهو بيتكلم كأنه بيتكلم عن صفقة:
— «يعني لازم تثق فيا ثقة كاملة، وتديني التوكيل… وساعتها أتصرف أنا.»
سماح سكتت شوية، وبعدين قالت:
— «يعني كل الحنية دي؟ وكل الهدايا دي؟»
ضحك ضحكة قصيرة وقال:
— «كل حاجة ليها تمن.»
في اللحظة دي حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
الراجل اللي كنت شايفاه أمان… كان شايفني طريق لفلوس بنتي.
رجعت خطوة لورا من غير ما أحس. دخلت أوضة سلمى، قعدت على طرف السرير أبص لها وهي نايمة.
قلت لنفسي:
“مفيش وقت للعياط… ولا للصدمة. في وقت للهرب.”
شيلتها بهدوء، وخدت شنطة إيدي اللي كنت مخبية فيها أوراق مهمة محدش يعرف عنها حاجة.
لبست الشبشب في إيدي، وفتحت الباب على مهلي. خرجت حافية على أطراف صوابعي، ونزلت السلم مش الأسانسير عشان صوتُه ما يفضحنيش.
وأنا في الشارع، قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة الناس سامعاه.
أول تاكسي وقف قدامي، قلت له:
— “على القسم لو سمحت.”
دخلت القسم وأنا هدومي بيت، شعري منكوش، وبنتي نايمة في حضڼي.
الضابط بص لي باستغراب:
— “خير يا مدام؟”
قلت له وأنا صوتي بيرتعش:
— “جوزي ناوي يستولى على فلوس بنتي.”
حكيت له كل حاجة… عن الشقة، وعن كلام أحمد وأخته، وعن الخزنة.
سألني:
— “الخزنة فين؟”
طلعت الظرف من الشنطة وقلت:
— “دي الحقيقة.”
الظرف كان فيه:
✔️ وصية رسمية باسم بنتي
✔️ مستندات تثبت إن أي مال ليها تحت وصاية قانونية
✔️ تسجيلات قديمة لطليقها وهو بيحذرني من أي حد يقرب للورق ده
الضابط بص في الورق وقال:
— “يعني هو كان ناوي يستولى على مال قاصر.”
هزّيت راسي.
استدعوا أحمد وأخته.
دخلوا وهم فاكرين إني رجعت البيت ومشيت الموضوع.
أول ما شافني قاعدة هناك وبنتي في حضڼي، وشه شحب.
سماح قالت بفزع:
— «إنتي بتعملي إيه هنا؟»
الضابط شغّل التسجيل اللي كان في موبايلي.
صوت أحمد وهو بيقول:
“لازم أوصل للخزنة”
اتسجل البلاغ شروع في ڼصب.
واتاخد تعهد رسمي.
واتفتح ملف انفصال وقضية استغلال.
رجعت بيت أمي أنا وبنتي.
الشقة اللي كتبها باسمي رجعتها قانوني وبعتها بعد شهر.
اشتريت شقة صغيرة في منطقة هادية.
حياة بسيطة… بس أمان.
أما الخزنة؟
فتحتها بعدها بسنة.
كانت فيها:
أوراق… وصور قديمة… ورسالة بخط طليقي:
“لو وصلتي للرسالة دي، يبقى ربنا كشفلك اللي حواليكي.
أهم حاجة سايبها لبنتي مش الفلوس…
أهم حاجة إن أمها تكون واعية ومحدش يضحك عليها.”
حضنت سلمى وبكيت…
بس المرة دي مش من الۏجع…
من النجاة.
كبرت سلمى، وأنا بقيت أشوف الدنيا بعين مختلفة.
عرفت إن الخطړ مش دايمًا ييجي في شكل عدو…
أحيانًا ييجي في شكل راجل طيب، وكلمة حلوة، وهدية مغلفة.
النهاية:
ما انتقمتش منه بڤضيحة…
ولا بضړبة…
انتقمت إني خرجت سالمه،
وربيت بنتي بعيد عن الطمع،
وخليته هو يعيش طول عمره فاكر إنه كان قريب من كنز…
وخسره بإيده.
///////////////////
جوزي لما عرف انه جالي مبلغ مليون و٢٠٠ ألف جنيه نصيبي من ورث جدتي الله يرحمها، عينه زغللت وحاول يحط إيده عليهم. قال لي بكل بجاحة: «حولي المبلغ ده فوراً على حسابي، أخويا واقع في مشكلة ومحتاج يسدد ديونه». طبعاً رفضت. وتاني يوم لقيت مكالمة منه وهو بيضحك بشړ وبيقولي: «تخيلي إيه؟ أنا سحبت كل مليم في الحساب.. اشبعي بقى بالفقر!»

بس بدل ما أعيط، أنا ضحكت من قلبي
لأن اللي هو فاكر إنه سرقه، كان في الحقيقة فخ هو اللي وقع فيه...
الرسالة وصلتني وأنا في وسط المطبخ، والبيت كله ريحة بخار وطبيخ. فجأة الموبايل نور بإشعار هز كياني: (تم إيداع مبلغ — ١,٢٠٠,٠٠٠ جنيه).
دي كانت فلوس "البيت الكبير" بتاع جدتي اللي اتباع، وكان نصيبي اللي كنت مستنياه عشان أمن بيه مستقبل ولادي. فضلت واقفة مكاني، السکينة وقعت من إيدي وأنا مش مصدقة إن أخيراً بقى معايا "سند" حقيقي.
طبعاً حاولت أداري، وعملت نفسي مش واخدة بالي، خصوصاً قدام "شريف" جوزي.
شريف كان عايش بمبدأ «مال مراتي هو مالي، ومالي هو مالي لوحدي»، كان بيعرف يمثل دور الضحېة ويقنعني إن أي قرش معايا هو "حق مكتسب" ليه ولأهله تحت مسمى "الأصول".
بالليل، وإحنا قاعدين بنشرب الشاي، نسيت الموبايل مفتوح جنبي ودخلت أجيب حاجة من جوه. رجعت لقيت وشه أحمر وعينيه بتلمع بلمعة غريبة.
بص لي وقال بنبرة آمرة: «الورث وصل يا هانم؟ ومليون وميتين ألف كمان؟»
قلت بهدوء: «أيوة يا شريف، دول لزمن ولادنا، وللمدرسة اللي نفسنا ننقلهم فيها».
ضحك بسخرية وقال: «ولادنا؟ ولادنا لسه صغيرين. أخويا "محمود" محتاج المبلغ ده النهاردة قبل بكرة عشان يخلص الصفقة بتاعته ويخرج من أزمته. حولي المبلغ ده على حسابي حالاً عشان ألحق أتصرف».
قلت بحدة: «ده ورثي أنا، وتعب أهلي أنا. أخوك عنده شقته وعربيته، يتصرف هو».
نظرة عينيه اتحولت لغل، وقام وقف وهو بيجز على سنانه: «يعني هتتخلي


عني في وقت الشدة؟ ماشي يا "هناء".. بس متجيش ټندمي في الآخر».
ساب البيت ونزل، ورزع الباب وراه لدرجة إن البرواز اللي في الصالة وقع واتكسر.
تاني يوم الصبح، شريف مختفي. اتصلت بيه مبيجمعش.
لحد العصر، لقيت مكالمة منه.
فتحت الخط وأنا حاسة إن في مصېبة، لقيته بيضحك پهستيريا ويقول: «فاكرة إنك أذكى مني؟ أنا قدرت أوصل للباسورد بتاع الأبلكيشن بتاعك، وحولت المليون وميتين ألف كلهم لحسابي، ودلوقتي قفلت الحساب خالص. مبروك عليكي "الصفر"، يا رب أخويا بقى يعوضنا!»
في اللحظة دي، مكنتش قادرة أمسك نفسي..
ضحكت.. ضحكت لدرجة إن دموعي نزلت.
لأن شريف الغبي، من كتر طمعه وسرعته، مدخلش شاف تفاصيل الحساب..
واللي هو فاكر إنه سحبه وحوله...
ما هو إلا.....
… ما هو إلا حساب فرعي وهمي أنا عاملة عليه تحويل مؤقت من الحساب الأساسي.
كنت عاملة الحركة دي من شهرين لما حسيت بنظراته الغريبة لأي فلوس تدخل البيت. فتحت حسابين: واحد باسمي الحقيقي مربوط بالورث. والتاني باسمي بس من غير أي صلاحيات سحب غير من الفرع نفسه وببطاقة منفصلة مخبياها عند أمي.
شريف دخل على الأبلكيشن ولقى حساب فيه ١,٢٠٠,٠٠٠ جنيه… بس ده كان الحساب الطُعم.
أول ما حوّل الفلوس على حسابه، النظام بعثلي إشعار تاني: (تم تنفيذ تحويل مشپوه – الحساب قيد المراجعة)
يعني إيه؟ يعني الفلوس اتجمدت فورًا
لا دخلت حسابه
ولا خرجت من حسابي الحقيقي
ولا هو خد جنيه واحد 
سيبته يكمل ضحكته الهيستيرية، وقولت له بهدوء: — مبروك عليك الصفر يا شريف… بس صفر على المكشوف.
سكت. صوته اختفى ثانيتين،