رواية كامله


أرماند مونتكلار وزوجته إليونور
في تلك اللحظة شدت أمي يد أبي بقوة كأنها تخشى أن يفر الحلم من بين أصابعها. رأيت عروق يدها تبرز وشفتيها ترتعشان قليلا.
ثم جاءت الجملة.
أوصي لكل منهما بمبلغ رمزي قدره يورو واحد.
سقط الصمت على القاعة كالمقصلة.
صمت كثيف ثقيل حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة.
لم تصدق أمي ما سمعت. أطلقت ضحكة قصيرة متشنجة أشبه بصوت زجاج ينكسر.
هذا غير مضحك لا بد أن هناك تتمة.
قلب الموثق الصفحة ببطء دون أن يرفع نظره وكأن اعتراضها لا يعنيه.
هذا القرار إرادي ومدروس. في حياتهما تلقيا أكثر بكثير مما يستحقان.
نهض أبي فجأة دفع الكرسي خلفه پعنف.
هذا عار! هذه ڤضيحة! نحن عائلته! نحن دمه!
رفع الموثق يده قليلا بنبرة هادئة لكنها حازمة
اجلس من فضلك سيدي.
تجمد أبي في مكانه ثم جلس ببطء وكأن ساقيه خانتاه.
اختفى اللون من وجه أمي تماما. لم تعد تلك المرأة الواثقة التي دخلت القاعة قبل دقائق. تحولت ملامحها إلى قناع شاحب عيناها متسعتان تبحثان عن تفسير.
قال الموثق
إلى ابنة أخي
توقف لحظة ثم الټفت نحوي مباشرة كأنه يتعمد أن يوجه الكلمات إلي لا إليهم.
التي ربيتها وعلمتها والتي أعتبرها وريثتي الأخلاقية الوحيدة أوصي بكامل ممتلكاتي.
غادر الهواء القاعة.
شعرت وكأن الجدران اقتربت وكأن الزمن توقف عند تلك الجملة. أمي حدقت بي فاغرة الفم عاجزة عن النطق.
هذا هذا مستحيل.
بدأ الموثق يسرد التفاصيل بصوت رتيب لكن كل كلمة كانت تسقط كحجر ثقيل
مبان في باريس.
محافظ مالية.
شركات.
مؤسسات.
عقارات.
استثمارات.
عشرات الملايين من اليوروهات.
رأيت يد أبي ترتجف ارتجافا خفيفا في البداية ثم صار واضحا ڤاضحا كأن الجسد الذي حمله لعقود بدأ يعلن استسلامه. لم يكن ارتجاف خوف فقط بل ارتجاف
رجل أدرك متأخرا أن حسابات العمر كلها كانت خاطئة.
أما أمي فرفعت يدها إلى صدرها ببطء وضغطت عليه كما لو كانت تحاول أن تمنع قلبها من الانفلات أو أن تجبر أنفاسها على البقاء في صدرها. كانت تتنفس بصعوبة بعينين زائغتين وكأن الغرفة تضيق عليها فجأة وكأن الهواء لم يعد كافيا.
ساد صمت قصير صمت لم يكن هدوءا بل فراغا مشحونا مثل اللحظة التي تسبق سقوط شيء ثقيل من علو شاهق.
ثم جاء الدور على الضړبة الأخيرة.
قال الموثق بنبرة لم تتغير نبرة رجل اعتاد أن يكون شاهدا على انهيارات البشر
بند إضافي بناء على طلب الآنسة مونتكلار.
لم أفهم في تلك اللحظة إن كانت أمي قد سمعت الجملة كاملة أم التقطت كلمة واحدة فقط طلب.
استدارت نحوي پعنف حتى إن الكرسي أصدر صوت احتكاك حادا مع الأرض. عيناها كانتا مشتعلتين لا بالڠضب وحده بل بالذعر.
طلبي أنا
كان في صوتها شيء من الرجاء شيء من محاولة الإمساك بأي تفسير ينقذ ما تبقى.
رفع الموثق نظره إلي. لم يكن تحديا بل التزاما بالإجراء.
هل تودين أن أقرأه
أومأت برأسي ببطء.
ذلك البطء لم يكن مقصودا للاستعراض بل لأنني كنت أتنفس بعمق أرتب داخلي أستحضر السنوات كلها دفعة واحدة.
لم أكن أشعر بالانتصار. لم أشعر بالشماتة.
كنت أشعر بشيء واحد فقط الاكتمال.
كأن دائرة قد أغلقت أخيرا كأن سؤالا ظل معلقا منذ طفولتي وجد جوابه.
بدأ الموثق القراءة
أي محاولة للطعن في الوصية ستؤدي إلى الكشف الكامل عن أدلة التبعية المالية وطلبات القروض الاحتيالية وتحويل الأموال التي سبق تسويتها خارج إطار القضاء.
كل كلمة كانت تسقط كحجر.
لم يكن في الجملة ټهديد بل تقرير واقع.
رأيت أبي ينهار في مقعده ليس سقوطا دراميا بل ذوبانا بطيئا. كتفاه انخفضتا رأسه مال إلى الخلف قليلا وعيناه فقدتا تركيزهما. بدا كأن قوة خفية سحبت منه ما تبقى من حياة.
أما أمي فكانت