رواية كامله


ترتجف بالكامل. لم يعد الارتجاف محصورا في يد أو شفة. كان جسدها كله يرتعش. شفاهها تحركت مرارا لكن صوتا لم يخرج.
ثم أخيرا بصوت مكسور متقطع
هل هل خططت لكل هذا
كان السؤال يحمل كل شيء الاتهام والإنكار والرجاء والخذلان.
تكلمت أخيرا.
وللمرة الأولى منذ بدأت تلك الجلسة أدركت أن الصمت الذي سبق كلمتي لم يكن خوفا بل انتظارا.
حتى أنا تفاجأت بنبرة صوتي. لم يكن عاليا لم يكن متحديا ولم يكن مرتجفا كما توقعت في أعماقي. كان صوتا هادئا ثابتا مستقرا كأن سنوات كاملة صقلته قبل أن يخرج.
كان أشبه بصوت لا ينتمي إلى اللحظة وحدها بل إلى مسار طويل من الصبر والتراكم.
لا. هو.
كلمة واحدة فقط.
لكنها لم تكن مجرد رد.
كانت خلاصة سنوات. كانت اختصارا لطفولة مبتورة ولمراهقة قاسېة ولنضج فرض علي قبل أوانه.
كانت جوابا على أسئلة لم تطرح واعترافا غير مباشر بفضل لم أحتج يوما إلى المبالغة في وصفه.
نهضت واقفة.
وحين فعلت ذلك لم يكن النهوض حركة جسدية فحسب بل انتقالا داخليا.
شعرت بطولي لا بالسنتيمترات بل بالمعنى. شعرت أنني أقف على أرض صنعتها بنفسي طبقة فوق طبقة.
شعرت بصلابتي بكل ليلة قضيتها أراجع دروسي وحدي بكل صباح واجهت فيه العالم دون سند بكل مرة سقطت فيها نفسيا ثم جمعت شتاتها بصمت دون أن أمد يدي طلبا للشفقة أو العون.
مرت أمامي في لحظة واحدة كل السنوات التي صنعتني امرأة لا تنتظر الإذن كي تكون ولا تطلب الاعتراف كي تستمر. امرأة تعلمت أن القيمة لا تمنح بل تنتزع بالاستحقاق.
قلت وأنا أنظر إليهما معا لا إلى أمي وحدها ولا إلى أبي وحده بل إليهما كمنظومة واحدة صنعت قرارها ذات ليلة
تبرأتم مني في الثالثة عشرة ووصفتموني بالعبء. هو من رباني. هو من علمني أن القوة لا تأتي من الميراث بل من المسؤولية.
لم أرفع صوتي. لم أضغط على الكلمات. تركتها تخرج كما هي واضحة بلا زخرفة لأن الحقيقة لا تحتاج إلى تزيين.
كانت أمي تبكي الآن.
لكن هذه المرة لم تكن دموع تمثيل ولا دموع ضغط اجتماعي ولا محاولة لكسب تعاطف متأخر.
كانت تبكي لأن الحقيقة أخيرا وقفت أمامها عاړية. بلا أعذار. بلا تبريرات. بلا قصص جانبية.
بكت لأن الزمن لم يعد يسمح بالمراجعة.
قالت بصوت مكسور
ما زلنا والديك
نظرت إليها طويلا.
لم تكن نظرتي قاسېة ولم تكن اڼتقامية. كانت نظرة حسم نظرة شخص اتخذ قراره منذ زمن ولم يعد يتردد.
ثم قلت بهدوء لا يقبل المساومة ولا يفتح بابا للنقاش
توقفتم عن ذلك في الليلة التي تركتموني فيها خارج المنزل.
لم أضف شيئا.
لم أشرح.
لأن بعض الجمل حين تقال تغلق الأبواب كلها دفعة واحدة.
ساد صمت جديد.
لكنه لم يكن صمت الصدمة ولا صمت الترقب.
كان صمتا نظيفا صافيا كأن الكلمات أنهت مهمتها وكأن المكان نفسه تنفس أخيرا بعد احتباس طويل.
مد الموثق إلي ظرفا أبيض نظيف الحواف لم تمسه يد غيره.
قال بنبرة رسمية لكنها بدت لي في تلك اللحظة أكثر إنسانية
توجيه أخير من السيد مونتكلار.
أخذت الظرف بيدي.
كان خفيف الوزن لكنني شعرت بثقله المعنوي بثقل ما يحمله من معنى ومن وداع صامت.
فتحته ببطء لا لأنني أردت إطالة اللحظة بل لأنني كنت أعرف الخط الذي ينتظرني في الداخل. كنت أعرفه كما يعرف صوت مألوف في الظلام.
في داخله ورقة واحدة بخط يده.
خط رأيته مئات المرات على ملاحظات صغيرة على هوامش كتب على أوراق تركها
لي دون شرح وكأنه كان يعلمني دائما أن أفهم وحدي.
قرأت
لم تكوني عبئا يوما.
كنت الدليل على أن الكرامة يمكنها أن تنجو من سوء الأصل.
عيشي حرة.
توقفت للحظة.
لم أرفع