رواية كامله


بالشماتة ولم أشعر بالذنب. كان هناك فقط إدراك هادئ بأن المسؤولية لم تعد لي وأن الرعاية التي كنت أمثلها لم تكن يوما واجبا أبديا. لقد اختار بنفسه من يعتمد عليهم وحدد بنفسه من يستحق موقعه في حياته وها هو الآن ينال اختياراته كاملة.
اليوم أجلس في مقهى مضيء افتتحته ناتالي وأنا معا مكان صغير لكنه صادق لا يخفي عيوبه ولا يجمل واقعه. أكتب خلال الساعات الهادئة أراقب الناس يدخلون ويخرجون كل منهم يحمل عالما كاملا في صمته. صرت أرى التعب دون أن أبتلعه وأرى الألم دون أن أحمله على كتفي. لم أعد أقارن نفسي بأحد ولم أعد أخاف من الوحدة. تعلمت أن الوحدة قد تكون مساحة للشفاء وأن الخسارة الحقيقية ليست في المغادرة بل في البقاء حين يتحول البقاء إلى محو بطيء للذات.
لم أعد ظلا يحمل غيره كي يبقى واقفا.
أنا كاملة من جديد لا لأنني انتصرت على أحد بل لأنني توقفت عن الهزيمة اليومية.
والكرامة حين تستعاد لا تحتاج إلى إذن كي توجد ولا إلى شاهد ولا إلى تبرير. هي ببساطة تعود إلى مكانها الطبيعي في الروح وتغلق الباب خلفها بهدوء.
بعد ما سمعت كلمته خادمة مجانية نمت ليلتها وأنا حاسة ببرودة في أطرافي.. البرودة دي كانت هي القوة اللي محتاجاها. تاني يوم الصبح ملمحتش بأي حاجة. دخلت عليه الغرفة بابتسامة باهتة بس المرة دي مكنتش بطحن الدواء بضمير كنت بسيبه خشن.. خشن زي الحقيقة اللي عرفتها.
بدأت أفتش في مكتبه القديم في الورق اللي كان بيقولي إنه كراكيب ملوش لزمة. اكتشفت الصدمة.. زوجي المشلۏل اللي بيشتكي من ضيق الحال عنده حساب بنكي باسم أخوه وعقار بيأجره من ورايا! يعني طول ال 5 سنين اللي كنت ببيع فيها دهبي عشان مصاريف علاجه كان هو بيكبر ثروته وتاركني خادمة بجد!
هنا قررت.. لو هو شايفني غبية فأنا هوريه ذكاء الغبي لما يقرر ينتقم. بدأت أستخدم التوكيل العام اللي عملهولي من سنة لما كان خاېف يدخل العمليات.. التوكيل ده اللي كان فاكره مجرد ورقة هيبقى هو حبل المشنقة.
بدأت أتحرك زي الشبح. كل يوم كنت بخرج أشتري طلبات البيت كنت في الحقيقة بقابل محامي. بدأت أنقل ملكية الشقة اللي مأجرها لاسمي كحق شرعي عن سنين عمري اللي ضاعت. سحبت مبالغ من الحساب اللي كان فاكر إنه مخبيه وحولتها لحساب جديد ميعرفش عنه حاجة.
الأصعب كان التمثيل.. إني لسه بحميه وبغيرله هدومه وبسمع تذمره وشكواه الكدابة عن الفار والفقر. في ليلة كان قاعد مع صاحبه تاني وسمعته بيقوله متقلقش دي ماشية بالبركة بكلمتين حلوين بخليها تنسى تعب اليوم كله.. الستات دول عقولهم صغيرة.
ضحكت في سري وقلت يا حبيبي العقل الصغير ده هو اللي بيحفر حفرتك دلوقتي. وقعت قدامي ورقة تقرير طبي حديث.. اكتشفت المفاجأة اللي هزت كياني هو بدأ يتعافى فعلا ويقدر يحرك رجليه بقاله شهور لكنه كان بيمثل العجز الكامل عشان يضمن إني أفضل تحت رجليه أخدمه!
وصلت للحظة الصفر. جهزت شنطتي وبعت عفش الشقة اللي هو فيها لتاجر روبابيكيا ييجي يستلمه وأنا خارجة. دخلت عليه الغرفة كان لابس قميصه اللي غسلته وكويته بمية عيني. بصيت له نظرة أخيرة نظرة وداع مش حب.
قلت له ببرود الغدا جاهز على السفرة بس المرة دي مفيش حد هيأكلك في بوقك يا بطل. بص لي باستغراب يعني إيه أنتي رايحة فين بالشنط دي طلعت الموبايل وشغلت له تسجيل لصوته وهو بيقول لصاحبه خادمة مجانية..