رواية كامله


إطار فضي. كان باهت الحواف قليلًا، خارجًا عن الانسجام في غرفة يلمع كل شيء فيها كمرآة.
انقطع نفس صوفيا.
كانت الصورة بلون سيبيا، وحوافها ضبابية، لكن الشخصية فيها لا يمكن أن تخطئها العين. طفلة في الرابعة تقريبًا، تقف في فسحة مضاءة بالشمس، ترتدي فستانًا أبيض من الدانتيل منحرفًا قليلًا، وتمسك زهرة عباد شمس كبيرة تغطي نصف وجهها.
كانت صوفيا تعرف ذلك الفستان. تعرف كيف كان الدانتيل يخدش عنقها. تعرف الوزن الدقيق لتلك الزهرة. وتعرف البقعة البنية الصغيرة في الزاوية اليمنى السفلى للصورة، حيث سكبت والدتها قطرة من القهوة بالحليب قبل عشرين عامًا.
كانت هي.
ليس شخصًا يشبهها. ليست خدعة ضوء.
بل هي الصورة نفسها التي كانت فوق طاولة السرير بجانب أمها، داخل إطار بلاستيكي متشقق.
بدأت الغرفة تميل حولها. بدا هدير المدينة يخترق الزجاج. وصار صوت فرناندو همهمة بعيدة.
آنسة مينديز؟
أعادها صوته الحاد إلى الواقع. أدركت أنها واقفة. لم تتذكر أنها نهضت. كانت يدها ممدودة، وإصبعها المرتجف يشير إلى الإطار الفضي.
قالت بصوت متكسر
من أين؟ من أين حصلت على هذا؟
تغيّر وجه فرناندو فجأة. لم تنزلق قناعته المهنية ببطء، بل تحطّمت كما يتحطّم زجاج رقيق تحت ضړبة مفاجئة. شحب لونه، وبدت ملامحه وكأن الډم انسحب منها في لحظة واحدة. نظر إلى الصورة، ثم إلى صوفيا، ثم عاد إلى الصورة مرة أخرى، وكأن عقله يحاول عبثًا أن يربط بين الماضي الذي عاشه والحاضر الذي يقف أمامه. كانت نظرته إليها جائعة ويائسة في آنٍ واحد، نظرة رجل وجد شيئًا فقده منذ زمن بعيد، لكنه يخشى أن يكون مجرد وهم.
قال بصوت خاڤت بالكاد يُسمع
إنها مجرد قطعة للزينة زينة عادية.
لكن صوته لم يكن يحمل
أي سلطة. كان ضعيفًا ومهتزًا، وكأنه يدرك قبلها أنها لن تصدقه.
مد يده المرتجفة ووضعها فوق الإطار الفضي كما لو كان يحاول إخفاءه.
همست صوفيا بصوت متحشرج
هذا كڈب هذه أنا. أمي لديها هذه الصورة. منذ اليوم الذي التُقطت فيه في تشابولتيبيك. لماذا لديك أنت؟
نهض فرناندو فجأة حتى ارتطم الكرسي الزجاجي خلفه بالجدار بصوت مكتوم. وقف ينظر إليها كما لو كان يرى شبحًا عاد من الماضي. لم يطلب الحرس، ولم يطردها، ولم يحاول إنهاء اللقاء. كل ما فعله أنه بقي واقفًا يحدّق فيها وصدره يرتفع وينخفض بسرعة.
سأل بصوت خاڤت جدًا
ما اسم والدتك؟
أجابت بحذر
إيلينا مينديز وإذا كنتم تلاحقوننا
كرر الاسم ببطء، وكأن الكلمة نفسها تؤلمه
إيلينا
جلس ببطء، وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله.
قال بصوت متعب
أخبرتني أن الحمى أخذتها في شتاء عام 2003 أرسلت لي رسالة بلا عنوان مع قصاصة نعي عامة. قالت إنه لم يبق شيء لأعود من أجله.
شعرت صوفيا ببرودة تسري في جسدها.
قالت
أنا لم أمت بسبب الحمى نحن فقط انتقلنا. قالت إن أبي رجل ظل رجل لا يريد أن يُعثر عليه. رجل لديه أمور مهمة لا مكان فيها لابنة.
رفع فرناندو رأسه ببطء، ورأت صوفيا في عينيه شيئًا لم تتوقعه دموعًا حبيسة.
قال
بحثت عنها ثلاث سنوات. استأجرت محققين. أنفقت كل ما كسبته كمحامٍ مبتدئ. لكنها كانت تعرف كيف تختفي. ثم وصلت الرسالة. ظننت أنني أستحق ذلك. ظننت أنني أحببت هذا المكان هذه القفص الزجاجي أكثر مما ينبغي. وظننت أن الله أخذها مني عقابًا.
ساد الصمت مرة أخرى.
لكنه لم يكن صمتًا عاديًا.
كان صمت عشرين عامًا من الفقد، وسوء الفهم، والندم.
قالت صوفيا أخيرًا بصوت منخفض
إنها مريضة.
رفع رأسه فورًا.
رئتاها تحتاج عملية. عملية لا نستطيع دفع تكلفتها.
حاول فرناندو أن يمسك القلم أمامه، لكن يده كانت ترتجف.
قال بصوت متكسر
قضيت عشرين عامًا أوقّع أوراقًا