رواية جديدة لما كان عندي سبع سنين مشيره محمد


صار الصمت أثقل.
كنتُ ما زلتُ جالسة في مكاني، لا أعرف إن كان عليّ أن أضحك أم أبكي أم أهرب.
هو كان أول من تكلم.
لقد كبرتِ كثيرًا يا لوسيا.
سماع اسمي من شفتيه جعل شيئًا في داخلي يرتجف.
قلتُ بصوت أضعف مما توقعت
وأنت أيضًا
اقترب خطوة من الطاولة.
عرفتكِ منذ اللحظة التي دخلتِ فيها. حاولت أن أحافظ على جديتي لكن يبدو أنني لم أنجح كثيرًا.
ابتسمتُ.
لم تكن بارعًا في إخفاء مشاعرك.
ضحك بخفة.
وأنتِ أيضًا خصوصًا عندما كنتِ في السابعة. كنتِ صادقة جدًا.
احمرّ وجهي.
لا تزال تتذكر ذلك
بالطبع أتذكره. الحي كله يتذكر. فتاة صغيرة بضفيرتين تبكي وتشير إليّ كأنها توقع عقدًا.
ضحكنا معًا. وتبدد التوتر تدريجيًا.
لكن كان هناك سؤال لا بد أن أطرحه.
قلت
لماذا رحلتَ من دون وداع؟
صار وجهه جادًا.
مرضت جدتي فجأة. حدث كل شيء بسرعة. بعد الچنازة حصلت على منحة في إسطنبول. شعرت أن عليّ الرحيل. لم أعرف كيف أقول وداعًا ظننت أن اختفائي سيكون أسهل عليك.
ابتلعتُ ريقي.
لم يكن أسهل.
خفض رأسه.
أعلم. لكن كلما ترددتُ في أمر، كنت أتذكر شيئًا.
ماذا؟
طفلة صغيرة وعدتني بأنها ستجتهد في الدراسة.
امتلأت عيناي بالدموع.
قلت
لقد أوفيت بوعدي.
أعرف. لقد قرأت ملفك. تفوق، وتوصيات ممتازة. لقد اجتهدتِ كثيرًا.
للحظة نسيت أنني جئت للمقابلة.
قلت مبتسمة
حسنًا هل حصلت على الوظيفة؟
لمع في عينيه بريق مرح.
هذا يعتمد.
على ماذا؟
على ما إذا كنتِ ستوافقين على العمل معي مباشرة.
تسارع نبض قلبي.
معك مباشرة؟
أحتاج إلى شخص في فريق الاستراتيجية أستطيع الوثوق به. ربما مرت خمسة عشر سنة لكنني أعرف أنني أستطيع الوثوق بك.
نظرت إليه. لم أعد أرى المدير التنفيذي فقط. رأيت الشاب الذي كان ينظف چروح ركبتي.
قلت من دون تردد
أوافق.
مد يده رسميًا.
مرحبًا بكِ في غونيش القابضة، المحامية لوسيا هيريرا.
صافحته.
لكن تلك المصافحة لم تكن مهنية فحسب.
كانت دافئة، قوية ومألوفة.
وللحظة اختفت خمسة عشر
سنة.
لم يكن العمل معه سهلًا.
كان إمرة دقيقًا، يسعى إلى الكمال، ويطلب الكثير.
لكنه كان عادلًا.
لم يُظهر امتيازات، ولم يخلط بين العمل والحياة الشخصية.
وأنا كذلك.
في الأشهر الأولى كان كل شيء مهنيًا تمامًا اجتماعات، مشاريع، استراتيجيات، ورحلات عمل.
لكن أحيانًا كانت لحظات صغيرة تكسر حدود البروتوكول.
كان يحضر لي القهوة بالطريقة التي أحبها تمامًا.
وبعد اجتماع صعب يقول تنفسي. كنتِ دائمًا أقوى مما تظنين.
في إحدى الأمسيات، بعد عرض مهم أمام المستثمرين، خرج الفريق للاحتفال.
كان المطعم مليئًا بالضحك والموسيقى الهادئة.
بقينا وحدنا قليلًا على الشرفة.
كانت أضواء المدينة تتلألأ تحتنا.
قال فجأة
أنا فخور بك.
قلت
بسبب المشروع؟
بسبب كل شيء.
صار الصمت أقرب هذه المرة.
قال
لوسيا لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير فيما كان سيحدث لو بقيتُ آنذاك.
قلت
وأنا أيضًا لم أتوقف عن التفكير بك.
اقترب خطوة.
عندما رأيتك في غرفة المقابلة ذلك اليوم، لم أرَ مرشحة للوظيفة. رأيتُ الطفلة التي آمنت بي حين لم يكن لدي شيء.
قلت بهدوء
لم أعد طفلة.
قال بلطف
لا أنت الآن امرأة مدهشة.
صار الهواء أثقل.
قال
هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟ لو كانت تلك الطفلة ذات السبعة أعوام هنا الآن هل كانت ستظل تريد الزواج مني؟
ابتسمت.
تلك الطفلة كانت شديدة العناد.
قال مبتسمًا
أتذكر.
نظرت في عينيه.
وقلت
نعم كانت ستفعل.
لم يتردد.
لم تكن علاقتنا سرًا، لكنها لم تكن استعراضًا أيضًا.
كنا حذرين في البداية.
ومع مرور الوقت أدرك الفريق أن الأمر لم يكن نزوة.
عملنا بجد. نمت الشركة. فتحنا فروعًا جديدة.
أصبحتُ مديرة المشاريع.
وكان كل نجاح
نتشاركه معًا.
وفي أحد أيام الأحد أخذني إمرة إلى إزمير.
لم يخبرني إلى أين نحن ذاهبان.
حين توقفت السيارة، تعرفت فورًا على الشارع.
بيت طفولتي.
أما البيت المجاور فلم يعد مهجورًا. كان قد جُدد.
قال
اشتريته قبل عامين.
نظرتُ إليه بدهشة حقيقية، كأنني أحاول أن أفهم ما يقوله، أو أبحث في وجهه عن تفسير آخر.
سألته
لماذا؟
ابتسم ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي