أمي بعتتني أروح أستلف شوية رز

أمي بعتتني أروح أستلف شوية رز من عمي لكنه ادانا شوال كامل وزنه حوالي 10 كيلو، ولما فتحناه، أمي وقعت على الأرض من العياط بسبب اللي كان مستخبي جواه
كنت لسه مكمّلش 12 سنة وقتها.
كان وقت الفقر فيه مش بس واقف برّه بابك ده كان داخل بيتك، معدتك، ونومك. في الأحياء الشعبية على أطراف البلد، البقاء كان بيبقى على قد إيه تقدر تمدّ عيلتك من كيس رز واحد، أو شوية فول، أو أي حاجة بسيطة من رحمة حد عنده أكتر منك شوية.
أبويا كان ماټ من سنين في حاډثة شغل في البناء، وساب أمي لوحدها تربي أنا وأختيّ.
وقتها أكلنا كان شبه بعضه. شوية رز مع فول أو دقيق ذرة. شوربة خفيفة من خضار بري كانت أمي بتجيبه من الأرض. أكل يكتم الجوع بس، مش يخليه يختفي.
اليوم ده كان في آخر الشتاء.
هوا ساقع كان بيدخل من شقوق السقف الصفيح في حتتنا. فاكر أمي وهي قاعدة جنب برطمان الرز في المطبخ، بتجمع آخر حبات رز بإيديها. وبعدين أخدت نفس طويل وتعبان.
روّح لعند عمك عمرو، قالتلي بهدوء. اطلب منه شوية رز نِستلفه وأنا هحاول أرجعه بكرة.
خدت كيس قماش قديم وطلعت.
الطريق لبيت عمي عمرو كان تراب ناشف وساقع. كان عايش قريب مننا، أخو أبويا الكبير، لوحده في بيت طوب قديم بعد ما مراته ماټت.
لما وصلت قدام الباب، قلبي كان بيدق جامد.
في إحساس بالكسرة مبيفهموش غير الأطفال الفقراء إحساس إنك شايل احتياج بيتك في إيدك، وإنك بتخبط على باب حد مستني يمكن يشوف ضعفك.
وقفت مكاني محرج جدًا.
بس عمي عمرو ما زعقش.
ما اتنهدش ولا خلاني أشرح مرتين.
بصلي لحظة طويلة.
وفي عينيه كان في حاجة معرفتش أفهمها ساعتها حزن، رحمة، إحساس بالذنب، كأن فيه حمل تقيل أكبر من سني بكثير.
وبعدين دخل جوا.
كنت فاكر هيجيب شوية رز بس في كيس صغير.
لكن رجع شايل شوال كامل.
كان تقيل أكتر من 10 كيلو.
حطه في حضڼي، وكدت أقع من وزنه.
وصّله لأمك، قال بصوت واطي فيه رجفة بسيطة. وما تخافوش ولا تتكسفوا.
شكرته كتير ومش مصدق اللي حصل.
وأنا راجع البيت، البرد ما بقاش حاد زي الأول. كنت فاكر بس إننا هاناكل رز سخن النهارده بدل العيش الفاضي. بالنسبة لولد عنده 12 سنة، ده كان شبه معجزة.
أول ما دخلت الحوش صړخت وأنا بضحك
ماما! عمي جاب لنا رز كتير!
أمي خرجت بسرعة وساعدتني نحط الشوال على الأرض.
فكّت الكيس.
وساعتها كل حاجة اتغيرت.
إيديها وقفت فجأة.
كان مخبّي وسط الرز علبة خشب صغيرة قديمة، ومعاها كيس قماش مربوط بعناية.
بصيت أنا مش فاهم حاجة.
لكن أمي بدأت ترتعش.
ببطء رفعت العلبة وفتحتها.
جواها كان في رسالة قديمة متنية بحرص شديد.
بدأت تقراها.
ومجرد ما وصلت لأول سطور، دموعها نزلت جامد.
مش دموع هادية.
دي كانت صړيخ وبكاء من القلب.
غطّت وشها بإيديها واڼهارت في العياط كأن حاجة جواها اتكسرت بعد سنين كانت مدفونة.
عمري ما شفت أمي بټعيط كده.
لا لما أبويا ماټ.
ولا لما كنا بنجوع.
ولا في أي مرة الحياة كسرتنا فيها.
قلبي وجعني.
ماما قلت بصوت واطي.
لكن هي ما ردتش.
كانت قاعدة على الأرض جنب شوال الرز، بتترعش، والرسالة في إيديها كأن عمي عمرو ما بعتش أكل، لكن بعت حاجة من الماضي كانت مدفونة.
وأنا واقف في المطبخ الساقع ده، حسّيت إن اللي في الرسالة أكبر بكتير من الجوع.
دي كانت الحقيقة اللي ممكن تغيّر كل حاجة في حياتنا.
أمي فضلت ساكتة دقيقة دقيقتين والرسالة في إيديها بترتعش كأنها ڼار مش ورق.
أنا واقف مش فاهم حاجة، وكل اللي في دماغي