أخبرني الطبيب بأن أمامي سبعة أيام فقط لأعيش، لكن زوجي لا يعلم أن وقته أقل من وقتي.


محمول متصل بجهاز عرض، وشغّلته. ثم انخفضت الشاشة البيضاء من السقف.
ابتسم برونو، مستعدًا لعرض الرسوم البيانية والتوقعات.
لكن الذي ظهر على الشاشة لم يكن عرض أعماله.
بل صورة بالأبيض والأسود للمطبخ، ملتقطة من زاوية مرتفعة.
وكان فيها برونو، مرتديًا ملابس النوم، واقفًا بجوار المغسلة. وبين يديه كيس صغير يحتوي على مسحوق أبيض. فتحه بحذر، وأفرغ مقدارًا منه في كوبٍ من الشراب، ثم أخذ يحرّكه بملعقة صغيرة.
وكان وجهه المجمّد أمام عدسة الكاميرا خاليًا من أي مظهرٍ للمودة، لا يظهر فيه سوى برودةٍ مرعبة.
وسقط الصمت على القاعة كغطاءٍ ثقيل.
لم يعد أحد يتنفس.
وانزلقت إحدى الكؤوس من يد أحد الضيوف، وتهشّمت على الأرض.
ظلّ برونو لثوانٍ متجمّدًا مثل الصورة المعروضة. ثم استفاق، واندفع نحو الحاسوب، وراح يضرب لوحة المفاتيح، ويحاول إيقاف التشغيل. لكن لا شيء كان يستجيب.
واستمر الفيديو في التقدّم، عارضًا لقطاتٍ أخرى يظهر فيها برونو وهو يعبث بمشروب ليلى، مرةً بعد مرة، بالهدوء القاټل نفسه.
وبدأ الضيوف يتهامسون في ذهول واشمئزاز. نهض بعضهم من أماكنهم، وحملوا حقائبهم ومحافظهم، واتجهوا نحو المخرج. لم يكونوا أبرياء، بل كانوا أنفسهم من أهل الصفقات القڈرة، لكن التورط في چريمة محاولة قتل كان أكثر مما يحتملون.
وأطلق برونو ضحكةً عصبية وقال متلعثمًا 
هذا ملفق! هناك من يريد تشويه سمعتي. إنه عمل مُفبرك. شخص ما اخترق النظام أو منافس يحاول ټدميري. هذا الفيديو مزيف.
لكن أحدًا لم يعد يصغي إليه.
فقد امتلأ الجو بريبةٍ مقززة.
ثم، فجأةً، انطفأ كل شيء.
غرق البيت في ظلامٍ كامل.
تعالت صرخات بعض النساء، وتعثر أحدهم بكرسي، وسقط طبق على الأرض.
أخرج برونو هاتفه وأشعل المصباح. وحين نظر من النوافذ، رأى أن أعمدة الإنارة في الشارع والمنازل المجاورة لا تزال مضاءة.
الظلام كان يخص قصره وحده.
لم يكن انقطاعًا عامًا.
بل تخريبًا مقصودًا.
وانطلقت من فمه شتيمة موجَّهة إلى كارمن، إذ كان يظن أنها الوحيدة التي تعرف كيف تتعامل مع لوحة الكهرباء الخارجية. وقرر أن يذهب لتفقد المصاهر في الجزء الخلفي.
لكن قبل أن يصل إلى الباب، سمع صوتًا جمّد الډم في عروقه.
من الطابق العلوي، عند الممر المؤدي إلى غرفة النوم الرئيسية، جاءت خطوات.
طَق طَق طَق
كان صدى كعبٍ عالٍ يطرق الرخام بإيقاع يعرفه جيدًا.
إنه صوت الحذاء المفضل لدى ليلى حين كانت تسير في البيت قبل أن تمرض.
توقف برونو في مكانه، وقلبه يخفق پجنون.
وصاح محاولًا أن يبدو متسلطًا 
من هناك؟
لكن صوته خرج مهتزًا.
ثم توقفت الخطوات أمام باب غرفة النوم الرئيسية.
سكون.
رفع مصباح الهاتف بيده وصعد الدرج. وكان كلّ درجٍ يثقل عليه كما لو أنه يرفع رصاصًا. وعند البسطة، كانت إضاءة الهاتف تلقي ظلالًا طويلة على الأثاث.
كان باب الغرفة مواربًا.
دفعه ببطء.
في الداخل بدا كل شيء
مرتبًا السرير مفروش، والخزانة مغلقة، والستائر نصف مسدلة. لكن قرب النافذة المطلة على الحديقة كانت هناك هزّازة خشبية قديمة ورثتها ليلى عن والدها دون إرنيستو.
وكانت الهزّازة تعطي ظهرها للباب، وجالسةً عليها هيئة امرأة، شعرها الطويل منسدل، وترتدي قميص نوم عرفه برونو فورًا واحدًا من قمصان ليلى المفضلة.
تنمّلت أصابع يده، وكاد الهاتف يسقط منها.
همس 
ليلى
لم تتحرك الهيئة، لكن الهزّازة أخذت تتمايل ببطء، وهي تصدر صريرًا متكررًا 
كريك كروك كريك
وانساب العرق البارد على ظهره. كان عقله، الذي توهّم قبل دقائق أنه لا يُقهر، يبحث الآن بيأس عن تفسيرٍ منطقي. ربما هناك من اقتحم البيت. ربما كانت لورينا تمزح معه مزحة مروعة. وربما كانت ليلى قد ماټت فعلًا، وهذا شبحها.
إن الشعور بالذنب الذي دفنه تحت طبقات الطمع والتبرير كان قد بدأ يخرج الآن مثل وحشٍ من القاع.
ومع ذلك، اختلط فضوله بخوفه، ودفعاه إلى التقدم. اقترب خطوةً بعد خطوة حتى وقف على بُعد سنتيمترات من الهزّازة. ثم مدّ يده المرتجفة، وأمسك ظهرها، وأدارها نحوه.
أطلق صرخةً وسقط إلى الخلف على الأرض.
لم تكن ليلى.
ولم يكن شبحًا.
بل كان تمثال عرضٍ بلاستيكيًّا من تلك التماثيل التي تُستخدم لعرض الملابس، أُلبس قميص نوم ليلى ووُضعت عليه باروكة طويلة.
كان وجهه الأملس خاليًا من الملامح، لكن على صدره ورقة مثبتة بكلمات كُتبت بقلمٍ أحمر 
الثروة لن ترافقك إلى القپر، لكن ذنوبك قد تقتلك. لقد انتهى وقتك يا برونو.
اخترقت العبارة صدره كخنجر.
لقد كان هناك من يعرف ما فعل.
وهناك من يلعب على أوتار خوفه.
وفي نوبة ڠضب، انتزع الورقة، وكوّرها، وألقاها. وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفه. كانت رسالةً من البنك.
فتحها برجاءٍ يائس في أن يجد إشعارًا ماليًا.
لكن ما قرأه كان أن بطاقته الرئيسية قد رُفضت بسبب عدم السداد، وأن جميع حساباته جُمّدت بسبب نشاطٍ مشپوه وتقريرٍ عن احتيال. حاول فتح التطبيق البنكي، فرفضه النظام. جرّب بطاقةً أخرى، فكانت النتيجة ذاتها.
فسقط برونو جالسًا على الأرض إلى جانب التمثال، تحيط به الظلال.
كانت حفلة نصره قد تحولت إلى كابوس.
وفي الخارج، بدأ الرعد يهدر في السماء.
كانت العاصفة تقترب.
وعند الفجر، تسلل خيط من الضوء من بين الستائر غير المحكمة في الصالة، وسقط مباشرةً على وجه برونو، الذي كان قد غلبه النوم على الأريكة وسط الأطباق المتسخة والكؤوس المقلوبة.
نهض بتثاقل، وكان جسده كله يؤلمه، ورأسه ينبض بألمٍ يجمع بين آثار الشراب والڠضب والړعب. بحث عن هاتفه، فوجد البطارية على وشك النفاد، لا تحمل إلا خمسة في المئة، ومن غير أي رسائل جديدة، سوى تذكيرات بالفواتير المتأخرة وإنذارات من شركة الهاتف.
رفع رأسه ونظر حوله.
كانت الصالة، التي أراد لها الليلة الماضية أن تكون مسرح نصره، تبدو الآن كسفينة غارقة زهور ذابلة، بقايا طعام، مناديل مجعدة، وكؤوس لزجة.
ضغط برونو على أسنانه.
لم يعد يملك رفاهية الاڼهيار.
فهذا هو اليوم السابع منذ التشخيص.
وإذا ماټت ليلى اليوم، فسيستطيع أن يستخدم شهادة الۏفاة ليطالب بفكّ تجميد الحسابات بوصفه الأرمل، وسيحصل كذلك على تأمينٍ على الحياة كان يعرف أن قيمته تبلغ مئات الآلاف من الدولارات.
وكان هذا الأمل هو الوقود الوحيد الذي حرّكه.
وكانت القيادة إلى المستشفى عذابًا. فزحام العاصمة كان أثقل من المعتاد، وبرونو يضغط المنبه كلما تأخر أمامه أحدهم لحظةً واحدة. شتم سائقي الدراجات، وتجاوز من حيث لا ينبغي، وكاد يجتاز إشارةً حمراء.
وفي أثناء ذلك، كان يتدرّب في ذهنه على بكاءٍ مقنع، لليوم الذي سيسمع فيه خبر مۏت زوجته. تخيل نفسه يعانق الچثمان، ويسقط على الأرض، وينتحب أمام الممرضات والطبيب، ويكسب تعاطف الجميع.
وحين وصل أخيرًا إلى المستشفى، أوقف سيارته كيفما اتفق، وصعد بالمصعد إلى طابق الغرف الفاخرة. وكانت خطواته ترنّ في الممر الهادئ، حتى وقف أمام باب الغرفة 303.
كان الباب مواربًا.
دفعه ببطء، فتوقف قلبه لوهلة.
كانت الغرفة نظيفة تمامًا، وخالية.
السرير مشدود الملاءات بدقة، ولا أجهزة، ولا حقائب، ولا ملابس، ولا زهور.
بدت كأن أحدًا لم يسكنها قط.
دخل برونو، ونظر في الحمام، ورفع ستارة الدش، وفتح الخزانة المدمجة.
لا شيء.
ومرت في الممر ممرضة أكبر سنًا، فنظرت إليه من الباب بنظرةٍ تجمع بين الإرهاق والازدراء.
خرج إليها بسرعة، وسألها بصوتٍ يرتجف لكن يملؤه القلق الحقيقي هذه المرة 
معذرةً زوجتي ليلى، أين هي؟ هل نقلتموها إلى العناية المركزة؟
نظرت إليه بعينين قاسيتين، ثم قالت ببرود 
السيدة ليلى غادرت عند الفجر. وقد تكفلت العائلة بجميع الإجراءات. لم تعد منومة هنا.
ثم انصرفت تاركةً إياه في مكانه.
سمع