خيبة الامل كاملة بقلم انجي الخطيب

رجعت من عند أختي بعد ما قضيت أسبوعين بداريها في تعبها، كنت مهدودة وتعبانة ومشتاقة لبيتي، لسكوتي، لحتة الكنبة اللي متعودة أشرب عليها شاي العصاري. لكن أول ما فتحت الباب، ملقيتش الهدوء اللي كنت مستنياه.. لقيت صوت ست غريب بيقطع هدوء الصالة زي السکينة.
إيه اللي جاب الست دي هنا دلوقتي؟.. صړخت جيهان مرات ابني وهي ممدة على الكنبة ولا حتى قامت من مكانها.. اطلعي بره بيتي حالاً!
بيتها؟
بيتها هي؟
أنا كنت لسه بتراب السفر في جزمتي، وكتفي مخلوع من شيل الشنطة، ورجلي ورمانة من قعدة الميكروباص طول السكة.. والكلمتين دول نزلوا على راسي أتقل من جبال الدنيا.
وقفت في المدخل ثانية واحدة.. ثانية كانت كفاية عشان أفهم كل حاجة. ريحة البرفان الفاقعة اللي مالية المكان مش ريحتي.. الجزم المرمية ورا الباب مش جزمتي.. والمفرش اللي تعبت في تطريزه بإيدي مرمي في الأرض.. وعلى التربيزة فنجان عليه أثر روج مستفز. حد حول مملكتي، البيت اللي اشتريته بشقايا وۏجع ضهري وتعب السنين في بيوت الناس، ل زريبة تخصه.
رميت الشنطة في الأرض براحة، زي المحارب اللي بيقلع درعه قبل المعركة.
مشيت في الطرقة بخطوات ثابتة وضيف مفرود.. شفت ابني محمود قاعد على كرسي الصالون، الكرسي اللي أنا منجدة قماشه بإيدي. كان ماسك الريموت، وأول ما شافني سابه كأنه ماسك جمرة ڼار. لا قام حضنني، ولا قال حمد لله على السلامة يا أمي. وطى راسه في الأرض، والحركة دي عرفتني إنه عارف وموافق.. وإنه كان شريك في اللي بيحصل.
مكناش مستنيينك النهاردة.. همس بيها وهو مش قادر يحط عينه في عيني.
بصيت له كأني أول مرة أشوف وشه
أنا قايلة لك باليوم وبالساعة أنا راجعة إمتى.
مردش.. فضل يهرش في قفاه بجبن، زي العيل الصغير لما يكسر حاجة ويستخبى. بس دي مش كوباية اتكسرت يا محمود.. دي حاجة في القلب انشرخت، ومظنش إنها هتتصلح تاني.
وصوت جيهان رجع يرن تاني، المرة دي من جوه أوضتي
يا محمود! مين اللي عامل دوشة بره؟ هي الست دي لسه مشيتش؟
دخلت أوضتي.. أوضة نومي أنا.
كانت قاعدة على سريري، حاطة رجل على رجل فوق الملايات البيضاء اللي كنت غسلاها ومنشياها قبل ما أسافر. التسريحة بتاعتي بقت مزبلة لعلب المكياج والبرفانات الرخيصة بتاعتها. وفوق الكرسي اللي بسند عليه هدومي، كان فيه فستان من فساتينها الضيقة والمبهرجة.
بصت لي من فوق لتحت بابتسامة صفراء وقالت
إيه يا ست هانم؟ هتفضلي واقفة زي الصنم كده ولا هتتفضلي تطلعي بره أوضتي؟
أوضتها!
في اللحظة دي، شريط العمر كله مر قدامي. شفت نفسي وأنا بمسح سلالم وبلمع فضة في بيوت الناس عشان أطلع ب محمود لبر الأمان. شفت الحصالة اللي كنت بحرم نفسي فيها من اللقمة عشان أدفع قسط البيت ده.
بصيت في عينيها بكل برود.. لا صړخت، ولا عيطت، ولا اترجيت.
شاورت بإيدي على الباب اللي وراها وقلت بصوت هادي يقطع القلب
ده بيتي.. مش زريبة مواشي. واللي هيخرج من الباب ده دلوقتي مش أنا.
السكوت اللي حصل كان تقيل لدرجة تخنق. محمود جه وقف ورايا بس لسانة كان مربوط. جيهان برقت بعينيها وهي مش مصدقة، وأنا عرفت في اللحظة دي إن اللي جاي هيقسم حياتنا نصين.
لكن عشان تعرفوا إزاي ست عندها 72 سنة قدرت تطرد ابنها الوحيد بقلب مكسور وراس مرفوعة، لازم أحكي لكم الحكاية من أولها.
الست أم محمود. عمري 72 سنة، وعمري كله اتعلمت حقيقة واحدة إن اللقمة اللي الست بتجيبها بشقاها، تسوى كنوز الدنيا.
أبويا ماټ وأنا لسه صبية،