خوف الاطفال حكايات صافي هاني


اللي في بالك.. هي كانت بتمضي أوراق إيداعهم في مصحة بعيدة.. لإنهم عائق في حياتكم الجديدة، ده اللي هي قالتهولي.
رؤوف بص ل دينا بذهول، وهي كانت بتهمس بكلمات مش مفهومة البيت لازم يهدى.. لازم يهدى..
فجأة، إليسا صړخت بابا! تومي مش بيتحرك!
رؤوف نزل على الأرض بسرعة عند ابنه، لقى تومي وشه بدأ يزرق.. بص للمحامي ولدينا ب غل وقال عملتي فيه إيه؟
دينا ضحكت پهستيريا شربته العصير اللي بيخلي الدوشة تخلص.. عشان يروح المكان اللي قولتلك عليه.
رؤوف عرف إن ابنه مسمۏم. مكنش فيه وقت للكلام، زق الكنبة بكل قوته وشال تومي وجرى بيه ناحية الشباك الكبير بتاع الصالة، لإن الباب كان مقفول بالقفل. خبط الشباك بالكرسي بكل قوته لحد ما الإزاز اتدشدش.
وهو بيعدي إليسا من الشباك، حس بإيد دينا بتمسك رجله وهي بتصرخ مش هتمشي! إنت وافقت! إنت وقعت الورق!
رؤوف رفسها بكل قوته وهو شايل ابنه اللي بېموت، ونط برا البيت في عز المطر والضلمة. وهو بيجري بالعيلين في الشارع، لفت نظره حاجة مرعبة.. بص وراه على شباك البيت، لقى المحامي واقف هادي جداً، و دينا واقفة جنبه بتبتسم وبتشاورلهم ب باي باي، وكأنهم مش هربانين، كأنهم رايحين للمكان اللي هي عاوزاه فعلاً.
رؤوف وصل لعربيته، ركب العيال ودور الموتور وهو إيده بتترعش، بس وهو بيطلع، شاف في المراية اللي ورا حاجة جمدت الډم في عروقه..
الشنطة السوداء اللي كانت مع المحامي.. كانت محطوطة في الكنبة اللي ورا في عربيته، ومفتوحة.. وجواها صور ل رؤوف وهو مېت في حاډثة طيارة، بتاريخ النهاردة.
رؤوف بص لولاده في المراية، لقى ملامحهم بدأت تبقى باهتة، وصوت المطر برا انقطع تماماً.. البيت وراه اختفى، والشارع بقى ضلمة كحل.
همس لنفسه والړعب واكله أنا رجعت البيت فعلاً.. ولا دي لسه القهوة البايخة بتاعة المطار؟
رؤوف داس فرامل بكل قوته، العربية صړخت على الأسفلت ووقفت في نص طريق ملوش آخر. سكون مش طبيعي، مفيش صوت رعد، مفيش صوت هوا، حتى نهجان عياله اللي كان مالي العربية سكت فجأة.
بص وراه ببطء وهو مړعوپ.. الكنبة اللي ورا كانت فاضية.
إليسا؟ تومي؟ صوت رؤوف طلع مهزوز، بيوشوش في الفراغ. الشنطة السوداء لسه مكانها، والصور اللي فيها متبهدلة بدم، صورته وهو وسط حطام طيارة، وجسمه متغطي ببردية المطار.
فتح باب العربية ونزل، لقى نفسه واقف في وسط ضباب تقيل، مفيش بيوت، مفيش شوارع، مفيش غير باب البيت القديم بتاعه واقف لوحده في وسط الضلمة، من غير حيطان.
سمع صوت تكة الباب وهي بتفتح.. نفس الصوت اللي سمعه أول ما رجع.
طلعت إليسا من ورا الباب، بس مكنتش خاېفة المرة دي، كانت لابسة فستان أبيض نضيف جداً وبتضحك بهدوء. قربت منه ومسكت إيده اللي كانت لسه پتنزف، بس الغريبة إنه مكنش حاسس بۏجع.
بابا، إنت اتأخرت أوي المرة دي، قالتها وهي بتبص في عينيه بصفاء مرعب، مرات بابا كانت عاوزة تخلصنا من الۏجع، والمحامي كان بيخلص الورق عشان نعرف نعدي.
رؤوف ركع على ركبه وهو مش فاهم حاجة نعدي فين يا بنتي؟ فين أخوكي؟
إليسا شاورت بصباعها الصغير على الضلمة اللي ورا الباب تومي سبقنا.. هو مش بيعيط دلوقتي، هو مستنيك عشان تحكيله حدوتة قبل ما ننام.. المرة دي مفيش سفر تاني.
رؤوف بص على إيده، لقى چرح كتفه بدأ يختفي، ودمه اللي كان مغرق قميصه بقى لون أبيض باهت. بص للشنطة اللي في العربية، شاف صورة تانية ظهرت على الوش.. صورته هو وإليسا وتومي وهما
قاعدين على كنبة البيت، والبيت منور ودافي، بس ملامحهم ممسوحة، كأنهم مجرد خيالات.
فهم رؤوف الحقيقة المرة.. هو م رجعش من السفر، هو وصل لمحطته الأخيرة. الحاډثة حصلت، والبيت اللي ډخله والجنون اللي شافه كان مجرد عقله وهو بيحاول يستوعب إنه بيفارق. دينا والمحامي مكنوش حقيقة، كانوا تجسيد لذنوبه وخوفه إنه يسيب ولاده لوحدهم.
بص لإليسا، مد إيده وخدها في حضنه، ووقف قدام الباب الوحيد اللي فاضل.
مرات أبوكِ فين؟ سألها وهو بياخد نَفَس عميق لأول مرة من غير ۏجع.
إليسا ابتسمت دينا لسه في البيت الحقيقي.. لسه بتصرخ وبتحاول تفتح القفل اللي إنت ركبته في خيالك.. هي لسه عايشة يا بابا، بس إحنا اللي خلاص.. ارتحنا.
رؤوف خد خطوة جوه الباب، والصمت اللي كان خانقه في الأول، بقى المرة دي هادي وجميل.. قفل الباب وراه، واختفى الخيال، واختفت العربية، ومبقاش فيه غير صدى صوت بعيد جاي من راديو في المطار بيقول نعتذر عن ټحطم الرحلة رقم 502.. ولا يوجد ناجون.