حسابات خاطئة بقلم انجي الخطيب


هي النظام الوحيد اللي كان ناقص حياتنا عشان تكتمل.. وإن الاستثمار الحقيقي مكنش في المدارس ولا البيانو، كان في اللحظة دي، لحظة ما البيت بقى فعلاً بيت، والقلوب أخيراً لقت طريقها لبعض.
مر شهر على اليوم ده، والحال اتبدل تماماً. أمي اللي كانت بتبص لساعتها بالدقيقة عشان تمشي، بقت هي اللي بتتصل كل يوم تسأل عملتوا غدا إيه؟ أنا جاية أدوق. العربية القديمة اللي كانت مسمياها خردة، بقت تنزل مخصوص تركبها مع وسام عشان يروحوا يشتروا لبس لياسين، وتقعد تضحك وهي بتقول لها صدقي يا وسام العربية دي فيها بركة، مكنتش بحس بالونس ده وأنا راكبة المرسيدس لوحدي.
وفي ليلة، كنا قاعدين بنشرب شاي بلكونة بيتنا الصغير، أمي بصت للسما وقالت لي عارف يا ابني؟ أنا زمان كنت فاكرة إن الأم الواجب عليها ترسم طريق ولادها بالمسطرة، بس اكتشفت إن أحلى الطرق هي اللي بنمشيها بقلبنا مش بخوفنا. أنا كنت خاېفة عليك من الدنيا، فكنت هضيع عليك الدنيا بجد. وسام مسكت إيدها وقالت لها المهم إننا مع بعض دلوقتي يا طنط، والۏجع اللي فات كان هو اللي عرفنا قيمة الراحة دي.
ياسين طلع من جوه وهو ماسك كراسة رسم، ورسم صورة لينا كلنا، ورسم جدو عادل فوق في السما بيضحك. أمي لما شافت الرسمة، عينيها لمعت بدموع فرحة، وأخدت ياسين في حضنها وقالت له أنت أغلى استثمار دخل حياتي يا قلب تيتة.
الحكاية مخلصتش عند الصدمة، الحكاية بدأت بجد لما القلوب اتفتحت. البيت اللي كان في نظر أمي فوضى، بقى هو الملجأ اللي بتهرب فيه من زحمة حياتها وكدب المظاهر. وأنا واقف في البلكونة، بصيت لوسام ولياسين ولأمي، وعرفت إن القدر لما بيكسر حاجة، بيبقى عشان يبني مكانها حاجة أقوى وأجمل بكتير.. وإن الحب اللي اتمنع زمان، رجع يعوضنا كلنا في صورة عيلة مكنتش على البال، بس كانت هي دي الحقيقة اللي تستاهل نعيش عشانها.
مرت سنة كاملة، والحياة اللي كانت أمي شيفاها خړاب بقت هي جنّتها الوحيدة. في عيد ميلاد ياسين الثامن، البيت الصغير كان مليان بناس بنحبهم بجد، مش ناس جايين عشان المظاهر. أمي كانت واقفة في المطبخ مع وسام، بيضحكوا وهما بيجهزوا التورتة، ولأول مرة أشوف أمي لابسة مريلة مطبخ ومنطلقة، بعيد عن البدلات الرسمية والبرستيج اللي كان خنقها.
فجأة، أمي ندهت عليا ودخلتني الأوضة اللي كنا مخصصينها مكتب صغير، وطلعت ظرف وحطته في إيدي. بصيت فيه لقيتها أوراق ملكية لشقة واسعة في عمارة هادية، بس المفاجأة إنها كانت باسم وسام وياسين. بصيت لها باستغراب، فابتسمت وقالت لي ده مش استثمار يا ابني، ولا ده عز بفرضه عليكم.. دي هدية من جدو عادل لوسام، أنا بس كنت الأمينة عليها لحد ما الوقت الصح
يجي. البيت ده بتاعكم، ابنوا فيه ذكريات جديدة بعيد عن أي ضغط.
وسام لما عرفت، بكت من فرحتها، مش عشان الشقة، بس عشان حست إن أمي أخيراً قبلتها كبنت ليها مش ك حمل زي ما قالت زمان. وفي وسط اللمة، وياسين بيطفي الشمع وهو ماسك إيدي وإيد وسام وأمي، بصيت حواليا وعرفت إن دي النهاية السعيدة اللي بجد.
النهاية مش إننا بقينا أغنياء، النهاية إننا بقينا عيلة حقيقية. أمي اتصالحت مع ماضيها، وسام لقت السند اللي يعوضها عن شقا سنين، وياسين كبر وهو عارف إن عنده بابا وتيتة بيحبوه من غير شروط. قفلنا باب بيتنا وإحنا متطمنين، والبيت الهادي اللي كان إيجار، سيبناه وإحنا شايلين منه حب يكفينا عمر كامل في بيتنا الجديد.
تمت
بقلم انجي الخطيب 
Engy Elkhatib