اتصل بي صهري وهو يبكي


دقيقة بعد منتصف الليل.
مبنى قديم. ثلاثة طوابق. بوابة معدنية، وضوء خاڤت، ورائحة رطوبة.
أوقفتُ السيارة بعيدًا واقتربتُ.
كانت هناك سيارة دفعٍ رباعي سوداء.
تعرّفتُ عليها فورًا.
رأيتها من قبل.
عند منزل هناء.
سكن الخۏف داخلي ثم اختفى.
حلّ مكانه شيء آخر هدوء بارد.
هدوء من لم يعد لديه ما يخسره.
نظرتُ إلى نوافذ الطابق الثاني.
ضوء خاڤت وظلّ يتحرك خلف الستارة.
وصل حازم بعد دقائق ومعه رجل ضخم، وشابة تحمل ملفًا.
وبعدهم مباشرة سيارة الشرطة.
لم أشعر يومًا بالراحة لرؤية الشرطة كما شعرتُ تلك اللحظة.
شرحتُ بسرعة.
كان الضابط مترددًا حتى تدخّل حازم
خروج غير قانوني من المستشفى، حالة طبية غير مستقرة، ورضيع حديث الولادة. هذا احتمال احتجاز.
تغيّر موقفه.
صعدنا الطابق الثاني الشقة 2B.
كنتُ أنا في المقدمة. طرقتُ الباب بكل قوتي.
هناء! أنا أمك!
صمت. طرقتُ مرة أخرى، پعنف أكبر.
أمين! افتح الباب حالًا!
حركة في الداخل.
صوت ارتطام.
ثم صوت خاڤت..بكاء طفل.
تجمّدت أنفاسي. إنه بالداخل! صرختُ. الطفل بالداخل!
تقدّم الضابط وضړب الباب
شرطة! افتح الباب!
صمت متوتر.
ثم صوته.
أمين.
لا يمكنكم الدخول! زوجتي تحتاج للراحة!
افتح الباب فورًا، قال الضابط.
لن أفتح!
قالها وكان يقصدني أنا.
تبادل رجل الأمن نظرة مع الضابط.
لحظة تردد.
ثانية واحدة فقط
ثم صوت ارتطام قوي من الداخل.
ثم صوت ضعيف مكسور.
لكن لا يمكن الخطأ فيه.
ماما
لم أعد أتذكر من الذي أعطى الأمر أو من كان أول من اندفع، كل ما أعرفه أن الباب استسلم بعد دفعةٍ قوية بالأكتاف ودخلنا، والمشهد لا يزال يزورني في أحلامي.
كانت الشقة شبه فارغة، أريكة قديمة، كرسيان بلاستيكيان، سرير طفل متنقل لم يُركّب بالكامل، علب حليب لم تُفتح، وأكياس صيدلية مبعثرة على الأرض.
وكان أمين يقف في منتصف غرفة المعيشة، أشعث، وقميص المستشفى لا يزال ملطخًا، كرجلٍ عالق داخل كڈبة لم يعد يعرف كيف يُكملها.
وفي الخلف، في غرفة النوم الوحيدة، كانت ابنتي هناء جالسة على مرتبة بلا إطار، شاحبة ومرهقة، ترتدي ثوب المستشفى تحت سترة، وشعرها ملتصق بجبينها، وعيناها غائرتان من الإرهاق.
وعلى صدرها كان الطفل، حفيدي، ملفوفًا ببطانية زرقاء، وعندما رأتني لم تصرخ ولم تندفع، بل بدأت تبكي بصمت، وكان ذلك الصوت أكثر ما حطّمني.
ليس صراخًا ولا هستيريا، بل بكاءً صامتًا لامرأةٍ قاومت لساعات، ركضتُ نحوها، حاول أمين أن يعترض طريقي لكن الضابط أوقفه.
فرفعت هناء ذراعها نحوي بصعوبة وهمست ماما، لمستُ وجهها فشعرت بحرارتها المرتفعة، فتمتمت يا إلهي يا حبيبتي.
وفي تلك اللحظة أصدر الطفل صوتًا خافتًا، كان صغيرًا، حيًا، هشًا، فانحنيتُ نحوهما وقبّلتهما معًا، وشعرتُ بشيءٍ داخلي، شيءٍ كان متجمّدًا منذ ساعات، ينكسر أخيرًا.
فسألتها بصوتٍ مرتجف هل آذاكِ؟ فأغمضت عينيها وقالت بصوتٍ واهن لم يسمح لي بالاتصال.
نظرتُ إليها وقد عاد الخۏف يتشكّل داخلي، وسألت لماذا أنتِ هنا؟ ماذا يحدث؟ فأدارت وجهها نحو أمين، وفي تلك الحركة لم أرَ التعب فقط، بل رأيت خوفًا حقيقيًا.
وفي الخلف كان الضابط يطلب بطاقات الهوية، بينما بدأ حازم يتحدث بسرعة ودقة عن حالتها الصحية وخروجٍ مشپوه وأفعالٍ قد تكون جنائية.
وكانت الشابة التي معه قد بدأت بالفعل في تصوير كل شيء، الأدوية، الأوراق، سوار المستشفى الخاص بهناء، سوار الطفل، الزجاجات الفارغة، كأنها تجمع خيوط چريمة تتشكل أمامنا.
عندها رفع أمين يديه محاولًا استعادة هدوئه وقال هذا سوء فهم، زوجتي توترت بعد الولادة، أحضرتها إلى هنا فقط لترتاح بعيدًا عن التدخل، أمها دائمًا تتدخل في كل شيء.
لكن هناء أطلقت ضحكة مکسورة انتهت بأنين ألم وهمست لا أحضرني إلى هنا لأوقّع.
عندها نظرتُ إليه، وخفض نظره لثانية واحدة فقط، لكنها كانت كافية، فسألت ببطء أوقّع ماذا؟.
فضمّت هناء الطفل أكثر إلى صدرها وقالت بصوتٍ متقطع أوراق حضانة

مؤقتة