رواية جديدة


صفر.
ليلي كانت بتصوت في الموظف، وماما كانت بتدور عليا بعينها وهي مړعوپة.. لأول مرة يحسوا إن العبء اللي كانوا بيتكلموا عنه، هو اللي كان شايلهم أصلاً.
رفعت التذكرة في الهوا وشاورتلهم بابتسامة باردة، ودخلت بوابة الجوازات وأنا بسيب ورايا كل حاجة.. السفرية دي فعلاً كانت بداية جديدة، بس مش زي ما هما خططوا خالص.
وقفت ورا حاجز الجوازات، قلبي كان بيدق زي الطبلة بس مش من الخۏف، ده كان أدرينالين الحرية. بصيت عليهم من بعيد، كانوا عاملين زي الكتاكيت المبلولة وسط صالة المطار. بابا عمال يضرب على مكنة الفيزا كأنها هي اللي غلطانة، وماما عمالة تفتش في شنطتها پجنون بتدور على كاش، وليلي واقفة وسط شنطها ال لويس فيتون اللي مابقاش ليها لازمة، وشكلها بقى يصعب على الكافر وهي بتبص للموظف اللي بدأ يفقد أعصابه معاهم.
طلعت الباسبورت والموظف ختمه خروج. الصوت ده كان أحلى لحن سمعته في حياتي.
فجأة موبايلي رن.. كان بابا.
كنت عارفة إنه اكتشف الکاړثة. فتحت الخط وسكت.
إنتي فين يا روح أمك؟ صوت بابا كان طالع مبحوح من الغيظ والفضايح وسط الناس، الحساب متصفر! الفلوس راحت فين؟ ارجعي حالاً بدل ما أسحبك من شعرك في وسط المطار!
رديت ببرود مرعب، لدرجة إني استغربت نفسي
مش إنت قلت إني عبء؟ والعبء ده هو اللي شال فلوسه ومشي. اشربوا بقى الشنط والمنظرة بتاعتكم. أنا مسافرة لندن، وفيزا دبي بتاعتي أنا اللي لغيتها لنفسي.. انبسطوا بقى بالرحلة اللي بوظتوها بيدك.
يا ليلى اسمعي.. صوت ماما دخل في الخط وهي بټعيط، إحنا عيلتك، إزاي تعملي فينا كده؟ إحنا في المطار ومعاناش مليم نصرف بيه نفسنا ولا حتى نرجع البيت!
ليلي؟ قلتها بسخرية، ليلي دلوقتي بقت Family؟ مش كنتي من دقيقة بتقولي إني ماليش مكان معاكم؟ خلي ليلي الهانم تنفعكم.. خليها تبيع شنطة من شنطها وترجعكم البيت تاكسي.
قفلت السكة وعملت بلوك للأرقام كلها.
دخلت السوق الحرة، اشتريت كوباية قهوة دبل إسبريسو عشان الصداع، وقعدت على كرسي مريح قدام بوابة طيارتي. بصيت على وشي في مراية الموبايل، أثر القلم كان لسه موجود، بس لأول مرة كنت شايفة نفسي قوية.
النداء الأخير لرحلة لندن بدأ.. قمت وقفت، عدلت شنطتي على كتفي، ورميت نظارة الشمس على عيني.
وهما هناك، في الناحية التانية من المطار، كانوا لسه بيحاولوا يشرحوا للأمن ليه مش عارفين يدفعوا تمن الوزن الزيادة.. بينما أنا، كنت طايرة في السما، من غير شنط تقيلة، ومن غير عيلة أتقل.
ركبت الطيارة، ورميت جسمي على الكرسي وأنا حاسة بتقل بينزاح عن صدري. لأول مرة من سنين، مفيش صوت بيأمرني، مفيش نظرة استصغار، ومفيش شنط غير شنطتي أنا.
فتحت اللاب توب بتاعي، وبعت إيميل لمديري في نيويورك أنا خدت إجازة مفتوحة، وهشتغل Remotely من لندن لفترة، لو ده مش مناسب.. اعتبر ده استقالتي. كنت عارفة قيمتي كويس، وعارفة إنه مش هيفرط فيا بسهولة.
بعد ساعتين في الجو، المضيفة جت سألتني بابتسامة تشربي حاجة يا فندم؟
بصيت من الشباك على السحاب اللي كان منور بضوء الشمس، وقلت لها عايزة عصير برتقال فريش.. وبدون سكر.
شربت العصير وأنا بفتكر منظرهم الأخير. تخيلت بابا وهو بيحاول يتصل بحد من صحابه عشان يبعتله أوبر يروحهم، وتخيلت منظر ليلي وهي مجبرة تشيل شنطها ال 50 كيلو بنفسها لحد برا المطار، لأن مفيش فلوس حتى لعامل يشيلهم.
لأول مرة في حياتي، محستش بالذنب. الذنب ده كان القيد اللي مربطني بيهم سنين، والقلم اللي خدته على وشي كان هو المفتاح