رواية جديدة


اللي كسر القيد ده.
وصلت لندن، الجو كان مغيم وبارد، ريحة المطر كانت بتغسل ريحة التوتر اللي كانت لازقة في هدومي. نزلت من المطار، أخدت تاكسي بلاك كاب وطلعت على أوتيل صغير في منطقة كوفنت جاردن.
أول ما دخلت الأوضة، حطيت شنطتي، وبصيت في المراية. أثر القلم كان اختفى، بس النظرة اللي في عيني كانت متغيرة تماماً. فتحت الاسكتش بتاعي، وطلعت القلم الړصاص، وبدأت أرسم.
رسمت طيارة طايرة، وخلفها عيلة واقفة على الأرض، صغار جداً لدرجة إن ملامحهم مش باينة، ومتحوطين بشنط ضخمة مكتوب عليها الماضي.
نمت ليلتها أحلى نومة في حياتي، بدون كوابيس، وبدون صداع نصفي. الصبح لما صحيت، لقيت رسالة من رقم غريب، كانت من ليلي باعتة من موبايل حد تاني
إنتي دمرتينا، بابا حلف ميتعرفش عليكي تاني، وماما مڼهارة.. إنتي إزاي بقيتي قاسېة كدة؟
ضحكت من قلبي، وعملت Delete للرسالة من غير ما أرد.
القسۏة مش إني أمشي.. القسۏة كانت إنهم افتكروا إني هفضل حمالة شيل للأبد.
فتحت الشباك، شميت هوا لندن البارد، وقلت لنفسي دلوقتي بس.. الرحلة بدأت.
عدى أسبوع كامل وأنا في لندن.. الأسبوع ده كان بمثابة ديتوكس لروحي. كنت بتمشى في الشوارع، أشرب قهوتي على مهلي، وأخلص شغلي من كافيهات هادية. موبايلي مكنش بيبطل رن من أرقام غريبة، ورسايل بتهديدات مرة، وتوسلات مرة تانية، بس أنا كنت عاملة وضع الطيران لقلبي قبل موبايلي.
في يوم، جالي إيميل من بابا.. مكنش فيه شتيمة المرة دي، كان فيه لهجة انكسار أول مرة أشوفها يا ليلى، إحنا رجعنا البيت بطلوع الروح. ليلي اضطرت تبيع ساعتها في المطار عشان نعرف نحجز تذاكر لرجوعنا ل مصر لأن مكنش معانا تمن الوزن الزيادة ولا تذاكر جديدة. أمك تعبانة، والبيت ميتسكنش فيه من غيرك، إنتي عارفة إن إحنا مابنفهمش في تظبيط المصاريف ولا الحسابات اللي إنتي كنتي ماسكاها. ارجعي، والفلوس اللي خدتيها اعتبريها حقك بس ارجعي.
ابتسمت بمرارة.. هما مش محتاجيني ك بنتهم، هما محتاجين مديرة المنزل والسبوبة اللي بتدفع وبتشيل القرف.
رديت عليه بإيميل واحد، كلمتين بس
اللي انكسر مبيتصلحش.. والشنطة اللي وقعت من إيدي في المطار، كانت آخر حاجة هشيلها ليكم في حياتي. أنا بعت محامي يسوي أموري في مصر ويجيب بقية حاجتي من البيت، ومن هنا ورايح، كل واحد يشيل شيلته.
فتحت اللاب توب، ولقيت نوتيفيكيشن Notification من البنك.. بابا حاول يسحب قرض بضمان حساب قديم كان باسمي، بس طبعاً الطلب اترفض لأني كنت لغيت التوكيلات كلها أول ما وصلت لندن.
نزلت اتمشيت في هاي بارك، الجو كان برد بس مريح. شفت عيلة مصرية بتجري ورا ولادها والضحك مالي المكان، اتمنيت لثانية لو كان عندي عيلة زيهم، بس استغفرت ربنا وقلت الحمد لله إن القلم ده فوقني بدري.
وأنا ماشية، شفت جاليري صغير طالب رسامين لمشروع جديد. دخلت، ورريتهم الاسكتشات اللي رسمتها في المطار وفي الطيارة. الراجل المسؤول بص فيهم بانبهار وقال لي الرسومات دي فيها كمية مشاعر رهيبة.. حزن على قوة على تحرر. تحبي تشاركي معانا في المعرض الجاي؟
بصيت لبعيد وقلت له بابتسامة حقيقية
أيوة طبعاً.. واسم اللوحة الرئيسية هيكون الوزن الزيادة.
في اللحظة دي، عرفت إن ليلى القديمة اللي كانت پتخاف من صوت بابا وبترضى بفتات حب ماما، ماټت في مطار القاهرة. وليلى الجديدة، هي اللي بتكتب حكايتها بدموعها اللي نشفت، وبقلمها اللي عمره ما هينكسر تاني.
بصيت للسما وقلت شكراً يا بابا على القلم ده.. كان أحلى قلم فوقني في حياتي.