رواية جديدة


إزالة لمخالفات بناء قديمة أنا اللي كنت مطلعها من الدفاتر المنسية. الأرض دلوقت بقت مجرد تراب، وكأن عيلة ثورن مكنش ليها وجود في المكان ده أصلاً.
كنت قاعد في جنينة بيتي الصغير، وكالي كانت قاعدة جنبي بتشرب قهوتها، ملامحها رجعت تنور تاني، وبدأت تضحك من قلبها وهي بتلعب مع الكلب بتاعنا.
تليفوني رن، كان مازن.
يا فندم، سايمون انحكم عليه ب 15 سنة أشغال شاقة. وأمه خدت 7 سنين. وأبوه أعلن إفلاسه الرسمي النهاردة الصبح، وشوفته بعيني خارج من الفندق اللي كان سكن فيه بشنطة هدوم واحدة.
والباقي؟ سألت ببرود.
تم، كل اللي ساعدوهم أو غطوا على بلاويهم من أصغر موظف لأكبر مسؤول، كلهم دلوقتي في التحقيق. البلد نضفت منهم يا فندم.
قفلت السكة وبصيت للسما. كالي حست بيا، سابت اللي في إيدها وقربت مني، حطت راسها على كتفي وقالت
بابا.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس والاسم هما اللي بيحموا الناس. بس اكتشفت إن الأمان الحقيقي هو إن يكون ورايا ضهر زيك.
ضحكت وقولتلها
الفلوس بتبني حيطان، لكن الحق هو اللي بيبني بيوت يا بنتي. هما بنوا حيطان من ورق، وأول ما الهوا خپطها.. وقعت فوق دماغهم.
في اللحظة دي، وقفت عربية سودا قدام البيت. نزل منها راجل لابس بدلة رسمية، وكان باين عليه الهيبة. ده كان وزير الداخلية الأسبق، وصديق عمري اللي كان عارف حقيقتي من زمان.
قرب مني وسلم عليا بحرارة وقال
وحشتنا يا جنرال.. مش ناوي ترجع بقى؟ المكان لسه فاضي ومحتاجك.
بصيت لكالي، وبعدين بصيت لعربيتي النص نقل المركونة في الظل، وقولتله بابتسامة صافية
أنا خلاص سلمت العهدة من زمان يا صاحبي. أنا دلوقتي مجرد راجل عجوز، بيحب يقضي يومه مع بنته، ويصلح عربيات قديمة. العظمة مش في الكرسي، العظمة في إنك تقدر تنام وإنت عارف إن مفيش حد مظلوم نايم بيدعي عليك.
الراجل هز راسه باحترام، وركب عربيته ومشي.
كالي بصت لي بدهشة جنرال؟
غمزت لها وقولت انسي يا حبيبتي، ده لقب قديم.. المهم دلوقتي، تتغدي إيه؟ أنا النهاردة اللي هطبخ بنفسي.
مشيت وأنا حاسس بخفة في روحي. الاڼتقام مكنش الهدف، الهدف كان العدل. ودلوقتي، مفيش حد يقدر ېلمس شعرة من كالي، لأن الكل عرف إن ورا البنت الرقيقة دي.. وحش نايم، مبيصحاش إلا لو حد فكر يكسر قلبها.
السنوات عدت، والهدوء رجع لبيتنا، وكأن العاصفة اللي شالت آل ثورن كانت مجرد حلم بايخ. كالي كملت دراستها وبقت تدير مؤسسة خيرية لمساعدة الستات اللي بيتعرضوا للعڼف، وبقى اسمها لوحده كفيل يخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يظلم حد.
وفي يوم، وأنا قاعد قدام ورشتي الصغيرة، لقيت راجل مبهدل، هدومه قديمة ووشه عليه ذل السنين، واقف بعيد بيبص عليا. عرفته من عينيه.. كان سايمون. خرج من السچن بعفو صحي أو يمكن قضى مدته، بس خرج وهو مېت حي.
قرب مني بخطوات مرعوشة، ووقف قدامي وهو باصص للأرض
أنا مش جاي أطلب سماح.. أنا عارف إن ملوش مكان. أنا بس كنت عايز أسألك.. إنت مين؟ إنت إزاي عملت كل ده؟
نفخت دخان سيجارتي بهدوء وبصيت له من فوق لتحت
أنا أب.. ودي حاجة إنت وأهلك عمركم ما فهمتوها. إنت كنت فاكر إن القوة في البنك، والجاه في الاسم.. بس القوة الحقيقية في إنك تبقى مستعد ټحرق العالم عشان خاطر ضحكة من بنتك.
طلع محفظة جلد مقطوعة، وطلع منها صورة قديمة لكالي وهي بتضحك، وقال بصوت مخڼوق
دي الحاجة الوحيدة اللي فضلت معايا في الزنزانة.. كنت كل يوم بشوفها وأعرف إني خسړت
أغلى حاجة ممكن إنسان يملكها.
سكت شوية وبعدين كمل أمي ماټت في السچن، وأبويا ماټ لوحده في ملجأ.. وأنا دلوقتي معيش تمن لقمة.
طلبت له كوباية شاي وسندوتش من القهوة اللي جنبي، وقولتله ببرود
كل الشاي ده وامشي.. ومتورنيش وشك تاني. مش عشان خاېف منك، لا.. عشان بنتي مش لازم تشوف وشك وتفتكر يوم واحد من السواد اللي عيشتهولها.
خد الشاي وإيده بتترعش، ومشي وهو بيجر رجليه في التراب، وكأنه خيال لراجل كان في يوم فاكر نفسه ملك الزمان.
كالي خرجت من البيت، شافت منظره وهو ماشي بس مسألتش مين ده. بصت لي وابتسمت وهي ماسكة في إيدها بنتها الصغيرة، ليلى، اللي سميتها على اسم والدتها.
يا بابا، ليلى عايزة تروح معاك الورشة النهاردة، بتقول عايزة تتعلم إزاي بتصلح العربيات.
ضحكت وشيلت حفيدتي على كتفي، وقولت لها
تعالي يا ست البنات.. هعلمك إزاي تبقي قوية، وإزاي متخليش حد في الدنيا يكسرك.. وهعلمك أهم درس إن العيلة هي الحصن الوحيد اللي مبيتهدش.
دخلت الورشة وأنا حاسس إن مهمتي في الدنيا كملت. مشيت الجنرال ورجعت الجد، والمدينة كلها بقت تنام في أمان، لأنهم عارفين إن في راجل عجوز، بعربية نص نقل قديمة، لسه صاحي وحامي حماها.. مش بالرتبة، ولا بالفلوس، لكن بقلب أب محبش في الدنيا قد بنته.