لم يمضِ على ولادتي سوى أربعة أيام


أمامه لحظة.
ليس ترددًا بل إدراك.
أننا لا نذهب فقط للبحث عن طفلة بل لفهم ما حدث.
فتحتُ الباب وخرجنا.
والطريق إلى المستشفى لم يكن مجرد طريق عودة بل بداية لما لم نكن مستعدّات له.
لم يكن الطريق إلى المستشفى طويلًا كما بدا لي.
أو ربما كان طويلًا لكنني لم أشعر به.
كنتُ في المقعد الخلفي، أضمّ ابنتي إلى صدري، بينما الطفلة الأخرى إلى جواري، ونورة في المقعد الأمامي، صامتة تمامًا، كأنها تخشى أن يُقال أي شيء قد يزيد الأمر سوءًا.
لم نتبادل كلمة واحدة.
لكن الصمت نفسه كان مليئًا بكل ما لا يُقال.
حين توقفت السيارة أمام مدخل مستشفى الندى التخصصي بالرياض، شعرتُ بشيء ثقيل يستقرّ في داخلي. لم يكن خوفًا فقط بل إحساس بأننا على وشك فتح باب لن يُغلق بسهولة.
نزلنا بسرعة، والهواء الليلي بدا مختلفًا عمّا كان قبل ساعات، كأن المكان نفسه لم يعد كما تركناه.
دخلنا من الباب الرئيسي، وكان الاستقبال شبه هادئ، ممرضة واحدة خلف المكتب، ورجل أمن يجلس في الزاوية.
رفعت الممرضة رأسها نحونا، ثم توقفت عيناها عند الطفلتين، قبل أن تعود إليّ.
نعم؟
لم أُطِل الحديث.
قلتُ مباشرة
نحتاج إلى مراجعة قسم الولادة الآن.
نظرت إليّ باستغراب
في هذه الساعة؟ هل هناك حالة طارئة؟
أجبتُها بهدوءٍ لم أكن أشعر به
نعم.
ترددت لحظة، ثم قالت
الطابق الثالث لكن يجب
لم أنتظر إكمالها.
توجهنا مباشرة نحو المصعد.
كان الصعود بطيئًا على غير العادة، وكل رقم يضيء أمامي كان كأنه يضغط أكثر على صدري.
عندما فُتح الباب، خرجنا إلى الممر ذاته نفس الإضاءة، نفس الرائحة، نفس الهدوء الذي بدا لي الآن غريبًا.
توقفتُ لحظة.
هذا المكان
هنا بدأت كل شيء.
تحركنا نحو مكتب التمريض، حيث كانت ممرضة تقف تراجع بعض الملفات.
رفعت رأسها عندما رأتنا، وبدت عليها الدهشة.
مدام ريم؟ أنتِ خرجتِ اليوم
قاطعتها بهدوء
أحتاج أن أرى سجل المواليد.
تغيّرت ملامحها قليلًا.
السجلات لا تُعرض هكذا هل هناك مشكلة؟
نظرتُ إليها مباشرة، ثم أشرتُ إلى الطفلتين.
لم أقل شيئًا.
لكنها فهمت أن الأمر ليس عاديًا.
تقدّمت خطوة، وقالت بنبرة أكثر حذرًا
هل يمكن أن تشرحي؟
قبل أن أتكلم، انكسرت نورة أخيرًا، وقالت بصوتٍ مرتجف
ابنتي ليست ابنتي.
ساد صمت قصير.
ثم نظرت الممرضة إلى الطفلتين مرة أخرى، هذه المرة بتركيز أكبر.
ماذا تعنين؟
أجبتُ أنا هذه المرة
نعني أن هناك خطأ.
لم أرفع صوتي لكن كلماتي كانت واضحة.
وأظن أن هذا الخطأ حدث هنا.
تبادلت الممرضة نظرة سريعة مع زميلتها التي ظهرت من خلف الباب، ثم قالت
انتظروا لحظة.
اختفت داخل الغرفة.
مرّت ثوانٍ بدت أطول مما ينبغي.
نظرتُ إلى نورة، فوجدتها تحدّق في الأرض، يداها ترتجفان، وكأنها تخشى ما سيأتي.
أما أنا فكنت أشعر بشيء آخر.
ليس خوفًا فقط بل استعداد.
عادت الممرضة بعد دقائق، ومعها ملف.
هذه سجلات المناوبة الليلة الماضية
وضعت الملف على المكتب، وبدأت تقلّب الصفحات بسرعة، ثم توقفت فجأة.
تغيّرت ملامحها.
نظرت إلى الصفحة مرة أخرى، ثم إلى الأخرى، وكأنها تحاول التأكد.
قلتُ بهدوء
ما الأمر؟
لم تُجب فورًا.
بل استدعت الممرضة الأخرى، وأشارت لها