قال لها بدوني أنتِ لا شيء فتركته وأثبتت له العكس بطريقة صاډمة!

تقدّم رامي خطوة أخرى، وكأن المسافة بينه وبين ليلى لم تعد تُقاس بالأمتار، بل بما تبقّى من سيطرته التي كانت تتلاشى أمام عينيه.
قال بصوتٍ منخفض، حاول أن يجعله هادئًا
ليلى لا تبالغي. كل ما في الأمر أننا تشاجرنا قليلًا، وهذا طبيعي.
لكن نبرته لم تكن طبيعية.
كان فيها ارتباكٌ واضح خوفٌ لم يعرفه من قبل.
لم تُجب.
انحنت لتغلق الحقيبة الثانية، ثم سحبتها نحو الباب، وكأنها تنهي مشهدًا طال أكثر مما ينبغي.
لن تخرجي.
قالها فجأة، هذه المرة بلا صړاخ بل بنبرةٍ أكثر خطۏرة.
توقفت.
لكنها لم تلتفت.
لن تخرجي من هذا الباب بهذه السهولة.
أعادها وهو يتقدم نحو المدخل، وكأنه يحرسه.
رفعت ليلى رأسها أخيرًا، ونظرت إليه بهدوءٍ عجيب
هل ستمنعني؟
صمت لحظة.
هذا السؤال لم يكن ضمن السيناريو الذي اعتاد عليه.
في كل مرة كان ېهدد، كانت تتراجع.
في كل مرة كان ېصرخ، كانت تبكي.
أما الآن فكانت تقف أمامه بثباتٍ أربكه.
قال بترددٍ حاول إخفاءه
أنا أنا فقط أقول إنكِ تتسرعين.
أنتِ لا تعرفين كيف هو العالم في الخارج.
هذه الشقة كانت أمانك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن دافئة
الأمان لا يكون في مكان يجعلني أخاف كل يوم.
ثم أضافت
الأمان هو أن أنام دون أن أتوقع صراخك في أي لحظة.
تراجع خطوة دون أن يشعر.
لأول مرة
لم يجد ردًا جاهزًا.
اقتربت من الباب، حملت إحدى الحقائب، ثم توقفت لحظة.
أخرجت هاتفها، ونظرت إلى الشاشة.
السيارة وصلت.
قالت ببساطة.
أي سيارة؟!
اڼفجر من جديد، كأنه يحاول استعادة نفسه.
من أتى؟! ومن سمح له بالدخول؟!
شركة نقل.
أجابت وهي تفتح الباب.
دخل شابان يحملان صناديق، تبادلا معها نظرة سريعة، ثم بدآ بنقل الحقائب دون سؤال.
كان كل شيء مرتبًا منظمًا محسوبًا.
رامي وقف في منتصف المكان، كأن الأرض انسحبت من تحته.
هذا لم يكن تمردًا لحظة ڠضب
هذا كان قرارًا مكتملًا.
ليلى
قالها هذه المرة بصوتٍ مختلف.
أخفض.
أقرب إلى الرجاء.
لم تنظر إليه.
خمسة سنوات
تمتم.
هل ستنهين كل شيء هكذا؟
توقفت.
التفتت ببطء، وحدقت فيه.
لا.
قالت بهدوء.
أنا أنهيت كل شيء منذ زمن.
اليوم فقط أغادر المكان.
صمت.
كلماتها لم تكن صړخة لكنها أصابته أكثر من أي صړاخ.
تقدّم خطوة
أنا لم أقصد كل ما قلته.
كنت غاضبًا فقط.
رفعت حاجبها قليلًا
كنت غاضبًا منذ خمس سنوات؟
لم يُجب.
أكملت
الڠضب ليس عذرًا لأن تُشعر إنسانًا بأنه لا شيء.
ولا سببًا لأن تحوّل بيتًا إلى مكانٍ خانق.
حمل أحد العمال الحقيبة الأخيرة وخرج.
بقيت هي وذكرياتهما الثقيلة في المكان.
نظرت حولها للحظة.
الأريكة التي كانت تجلس عليها ليالٍ طويلة تنتظر أن يهدأ
الطاولة التي شهدت صراخًا أكثر مما شهدت ضحكًا
الجدران التي كانت تحفظ كل كلمة قاسېة.
ثم أعادت نظرها إليه.
كنت أصدقك
قالت بهدوء.
حين كنت تقول إنني لا أستطيع العيش بدونك.
لذلك بقيت.
اقترب خطوة أخرى، وكأن شيئًا فيه انكسر
ولماذا لا تصدقينني الآن؟
أجابت
لأنني جرّبت العيش وأنا معك.
وكان أسوأ من أن أكون وحدي.
صمتٌ ثقيل ملأ المكان.
ثم أضافت
الوحدة لا تؤلم بقدر ما يؤلم أن تكون مع شخصٍ يجعلك تشعر أنك غير موجود.
خفض رأسه قليلًا.
وللمرة الأولى
لم يكن لديه شيء يقوله.
اتجهت نحو الباب، توقفت عند