قال لها بدوني أنتِ لا شيء فتركته وأثبتت له العكس بطريقة صاډمة!


العتبة، ثم قالت دون أن تلتفت
غدًا اشترِ أسلاكك الجديدة.
لكن هذه المرة حاول أن ترتب حياتك أيضًا.
وخرجت.
أُغلق الباب خلفها بهدوء.
بقي رامي واقفًا في منتصف الشقة.
الصمت الذي كان يزعجه أصبح الآن مرعبًا.
نظر إلى الجدران التي كان يتباهى بها.
بدت فجأة فارغة.
باردة.
بلا معنى.
اقترب من الرف السفلي حيث كانت علبة الأسلاك.
مدّ يده
ثم توقف.
لم يكن هناك شيء.
جلس على الأريكة ببطء.
نفس المكان الذي كانت تجلس فيه
لكن الشعور كان مختلفًا تمامًا.
أخرج هاتفه، نظر إلى اسمها، تردد.
كتب
ليلى هل وصلتي؟
حدّق في الرسالة طويلًا
ثم حذفها.
بعد دقائق، كتب مرة أخرى
يمكننا أن نتحدث بهدوء.
توقف
ثم حذفها أيضًا.
ألقى الهاتف جانبًا، وأسند رأسه إلى الخلف.
لأول مرة
فهم معنى تلك الجملة التي كان يرددها دائمًا
بدوني أنتِ لا شيء.
ابتسم بمرارة.
اكتشف متأخرًا
أنها لم تكن تخصها هي.
بل كانت تخصه هو.
في الجهة الأخرى من المدينة،
كانت ليلى تقف أمام باب شقتها الجديدة.
شقة صغيرة.
بلا أثاث تقريبًا.
بلا زينة.
لكنها كانت لها.
فتحت الباب، دخلت، وضعت الحقيبة، ونظرت حولها.
صمت
لكنه لم يكن مخيفًا.
كان هادئًا.
جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الحائط.
أغمضت عينيها للحظة.
لا صړاخ.
لا خوف.
لا أحد يراقبها.
فقط هي.
تنفّست بعمق
كما لو أنها تُعيد تعلّم الهواء من جديد،
كما لو أن صدرها، الذي ضاق لسنوات،
قد قرر أخيرًا أن يتّسع.
أغمضت عينيها،
ولم تكن تسمع شيئًا
لا صوت خطواتٍ متوترة خلفها،
ولا صراخًا مفاجئًا يشقّ الصمت،
ولا تلك النبرة الحادة التي كانت تسبق كل ليلةٍ ثقيلة.
فقط سكون.
سكونٌ لم يكن مخيفًا هذه المرة،
بل كان يشبه حضنًا دافئًا
أو وعدًا صامتًا بأن القادم سيكون مختلفًا.
فتحت عينيها ببطء،
ونظرت حولها من جديد.
جدرانٌ بيضاء بلا صور،
أرضٌ شبه خالية،
نافذة صغيرة يدخل منها ضوء خاڤت،
كأن النهار نفسه يتسلل إليها بحذر
كي لا يُفزع هذا السلام الجديد.
اقتربت من النافذة،
وضعت يدها على الزجاج،
وشعرت ببرودته.
في الماضي
كانت تقف عند نوافذ كثيرة،
لكنها لم تكن ترى شيئًا.
كانت عيناها دائمًا مشغولتين بالخۏف،
وقلبها منشغلًا بما قد يحدث بعد دقائق.
أما الآن
فكانت ترى كل شيء.
الشارع البسيط،
بائع القهوة في الزاوية،
طفل يركض خلف كرة،
امرأة تضحك وهي تتحدث في الهاتف
أشياء عادية
لكنها بدت لها كأنها عالمٌ جديد بالكامل.
جلست على الأرض من جديد،
وضمّت ركبتيها إلى صدرها،
كما كانت تفعل قديمًا
لكن الفرق هذه المرة
أنها لم تكن تحتمي من شيء.
بل كانت تستعيد نفسها.
مرّت الدقائق ببطء،
ثم الساعات،
وهي لم تشعر بالحاجة إلى أن تملأ الصمت.
لم تبحث عن موسيقى،
ولا عن هاتف،
ولا حتى عن حديث.
فقط كانت هناك.
وهذا كان كافيًا.
لكن، وسط هذا الهدوء،
بدأت أفكار أخرى تتسلل.
ماذا بعد؟
السؤال الذي كانت تؤجّله دائمًا،
صار الآن جالسًا أمامها،
واضحًا لا يمكن تجاهله.
لم تعد هناك حجة.
لا خوف يبرر البقاء.
ولا قيود تبرر التراجع.
الآن
هي وحدها.
وذلك كان جميلًا
ومخيفًا في الوقت ذاته.
ابتسمت ابتسامة خفيفة،
وقالت بصوتٍ بالكاد يُسمع
حسنًا لنبدأ.
وقفت ببطء،
ومسحت دمعة صغيرة لم تكن قد شعرت بها.
ثم أخذت الحقيبة الأولى،
وفتحتها.
بدأت تُخرج أغراضها قطعةً قطعة،
كأنها تعيد ترتيب حياتها،
وليس فقط خزانتها.
وضعت الكتب في زاوية،
الملابس في أخرى،
وذلك الدفتر القديم الذي كانت تكتب فيه أحلامها
أخرجته بعناية.
ترددت لحظة
ثم فتحته.
الصفحات الأولى
كانت مليئة بأحلام بسيطة
أريد بيتًا هادئًا.
أريد أن أشعر