رواية جديدة


أن يقلق أو يحاول تهدئتي، لكنه بقي يحدق في التلفاز وكأن الأمر لا يعنيه.
قال ببرود
ربما شخص مختل يفعل أشياء مريضة.
نظرت إليه بدهشة
لكن القط اختفى أيضًا.
تنهد بضيق دون أن ينظر إليّ
أنتِ تربطين الأمور ببعضها أكثر من اللازم.
كانت طريقته باردة أكثر مما ينبغي.
خصوصًا أنه بدا متوترًا كلما ذكرت اسم أمينة، رغم محاولته إخفاء ذلك.
وفي تلك الليلة، لم أستطع النوم.
فتحت هاتفي وبدأت أراجع رسائل أمينة.
كل يوم تقريبًا
رسالة صباحية.
الجملة نفسها بصيغة مختلفة
لا تنسي فطورك.
الكليجة على مكتبك.
كلي قبل أن تبرد.
وكأنها كانت تتأكد من شيء ما.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
نهضت من السرير واتجهت إلى المطبخ.
أخرجت العلبة الصغيرة التي أخفيتها داخل المجمّد منذ أيام.
كنت قد احتفظت بها لأن طعمها في آخر مرة بدا أثقل من المعتاد، وفيه تلك الرائحة الغريبة نفسها التي لم أستطع فهمها.
ظلت باردة وقاسېة بين يديّ لثوانٍ.
وحين بدأت البرودة تزول عنها قليلًا، رفعت الغطاء ببطء.
وفي اللحظة التي انفتح فيها
خرجت منها رائحة خفيفة أخيرًا.
رائحة مألوفة جدًا.
توقفت أنفاسي فجأة.
لأنها كانت الرائحة نفسها التي تظل عالقة دائمًا حول أمينة كل صباح.
في تلك اللحظة تحديدًا
شعرت بأن شيئًا باردًا يهبط داخل صدري ببطء.
وكأن كل التفاصيل الصغيرة التي تجاهلتها طوال الأسابيع الماضية بدأت تتجمع أخيرًا أمامي بصورة مرعبة.
نظراتها الطويلة.
إصرارها أن آكل.
رسائلها اليومية.
سؤالها المتكرر إن كنت أنهيت الطعام كاملًا.
طريقة شمّ القط للكليجة كل صباح قبل أن يأكلها.
الرائحة الثقيلة التي كنت أشمها كلما فتحت العلبة.
واختفاء القط في اليوم نفسه الذي بدأت فيه الشرطة الحفر قرب الجزيرة الوسطية.
أغلقت العلبة بسرعة وأعدتها إلى المجمّد، ثم بقيت واقفة في المطبخ لثوانٍ طويلة أحدق في الفراغ، بينما قلبي يخفق بعنفٍ مؤلم.
وفي تلك الليلة
لم أستطع النوم إطلاقًا.
كلما أغمضت عينيّ، رأيت القط الرمادي الصغير وهو يركض نحوي كل صباح بثقةٍ بريئة، ثم تختفي صورته فجأة وسط التراب الأسود والأكياس المدفونة.
وفي لحظة ما قرب الفجر، نهضت مذعورة وذهبت إلى المطبخ فقط لأتأكد أن العلبة ما زالت داخل المجمّد، وكأن مجرد وجودها في البيت أصبح يخيفني.
وفي الصباح التالي، لم أذهب إلى الشركة.
ظللت لساعات أحدق في الطعام داخل الثلاجة وكأنني فقدت قدرتي على الوثوق بأي شيء يدخل بيتي.
حتى كوب الماء أصبحت أشربه بعد تردد.
لكن بعد يومين، قررت الذهاب إلى الشركة رغم أنني لم أكن أملك أي طاقة لمواجهة أحد.
كنت فقط أحتاج أن أرى أمينة.
أن أنظر إليها مباشرة وأسألها عمّا يحدث.
عدتُ إلى الشركة، وما زالت صور الشريط الأصفر وسيارات الشرطة عالقة في رأسي كالکابوس.
الموظفون كانوا يتهامسون في الممرات كلما مررت.
البعض ينظر إليّ بشفقة
والبعض الآخر بخوفٍ مكتوم، وكأنني جزء من شيءٍ لم يفهمه أحد بعد.
لكن الشيء الذي شدّ انتباهي فور دخولي
كان مكتب أمينة.
فارغًا.
الكرسي مرتب.
الشاشة مطفأة.
ولا أثر لها.
اقتربت من إحدى الموظفات وسألتها بصوت منخفض
أين أمينة؟
ترددت قليلًا قبل أن تجيب
الشرطة