رواية جديدة


أخذتها صباح أمس.
شعرت بشيء يهبط داخل صدري.
أخذتها؟ لماذا؟
هزّت كتفيها بتوتر
يقولون إنهم وجدوا في شقتها أكياسًا مشابهة لتلك التي عُثر عليها قرب الشركة وحتى دفاتر ورسائل غريبة.
تجمّد الډم في عروقي.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
رنّ هاتفي.
كان رقمًا مجهولًا.
وحين أجبت، جاءني صوت الرجل نفسه الذي حقق معي قبل يومين.
نحتاج حضوركِ مجددًا.
ذهبت إلى مركز الشرطة وأنا أشعر بأن ساقيّ لا تحملانني.
وفي غرفة التحقيق نفسها، جلس الضابط أمامي بصمتٍ طويل، ثم دفع نحوي ملفًا سميكًا.
قال بهدوء
زميلتكِ اعترفت بكل شيء.
رفعت رأسي نحوه ببطء، بينما شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
ماذا تقصد؟
فتح الملف وأخرج عدة صور.
صور لأكياس مدفونة.
وعظام حيوانات صغيرة.
وأوراق ملفوفة بخيوط داكنة.
وصور لرسائل مكتوبة بخط اليد وأسماء مكررة داخل دفاتر صغيرة.
ثم قال
بعد تفتيش شقتها، وجدنا بقايا مشابهة لما دُفن قرب الشركة، كما وجدنا مراسلات بينها وبين رجل يدّعي معالجة الناس بالأعمال والطقوس.
شعرت بالغثيان.
همست بصعوبة
لكن لماذا؟
ظل صامتًا لثوانٍ قبل أن يقول
قالت إن زوجكِ كان خطيبها قبل سنوات.
توقفت أنفاسي.
حدّقت فيه بعدم تصديق.
ماذا؟
اعترفت أنه تركها فجأة وتزوجكِ بعدها بفترة قصيرة.
بدأت ذاكرتي تتحرك ببطء.
سيف فعلًا لم يكن يحب الحديث عن سنوات الجامعة.
وكان دائم التهرب كلما سألته عن علاقاته القديمة.
تابع الضابط بصوت هادئ
قالت إنها لم تستطع تقبّل الأمر، وكانت تعتبركِ السبب في ضياع حياتها، لذلك ظلت تتابع أخباركما منذ زواجكما.
شعرت بيديّ ترتجفان فوق الطاولة.
ثم أكمل
بحسب اعترافها، ذلك الرجل أقنعها بأن استمرار دخول الطعام إلى حياتكِ يوميًا، مع ډفن بقايا الحيوانات في الأماكن التي تمرّين بها باستمرار، سيجلب لكِ الأڈى ويخرّب حياتكِ بالتدريج.
أخفضت بصري فورًا، بينما شعرت ببرودةٍ تسري في أطرافي.
أغمضت عينيّ بقوة.
وفجأة
تذكرت كل شيء.
إصرارها أن آكل.
رسائلها اليومية.
اختفاء القط.
الرائحة العالقة حولها دائمًا.
وطريقة القط في شمّ الطعام كل مرة قبل أن يأكله.
همست بصوت مرتجف
والقط؟
نظر الضابط إلى الملف للحظة قبل أن يجيب
وجدناه خلف المبنى.
صمت لثانية قصيرة قبل أن يكمل بهدوء
يبدو أنه كان يأكل من الطعام يوميًا منذ فترة والطبيب البيطري أكد وجود بقايا لحم فاسد ومواد غريبة داخل معدته.
شعرت وكأن شيئًا انكسر داخلي بالكامل.
ذلك القط الصغير
كان يأكل الطعام بدلي طوال شهر كامل.
وربما القطع القليلة التي أكلتها أنا أيضًا كانت السبب في الإرهاق والصداع اللذين لازماني طوال الأسابيع الأخيرة دون أن أفهم السبب.
خرجت من مركز الشرطة وأنا أشعر بأن المدينة كلها أصبحت غريبة.
وحين عدت إلى المنزل، واجهت سيف بكل شيء.
في البداية أنكر.
لكنه بدا متوترًا بشكلٍ واضح، يجيب بسرعة ويتجنب النظر إليّ، قبل أن يجلس أخيرًا بصمتٍ طويل ويدفن وجهه بين كفيه.
ثم قال بصوت منخفض
كنت مخطوبًا لها فعلًا.
رفعت عيني نحوه بصمت.
فأكمل بصوت متعب
بعد انفصالنا بفترة، بدأت ترسل لي رسائل كثيرة ثم اختفت فجأة. ظننت أن الأمر انتهى منذ سنوات.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
كنت
أشعر فقط بفراغٍ هائل داخلي.
قال إنه لم يتوقع أبدًا أن تصل بها الكراهية إلى هذا الحد.
لكن شيئًا بداخلي لم يعد كما كان.
وفي الليالي التالية
بدأت الكوابيس.
استيقظ أحيانًا على صوتي وأنا أصرخ.
وأحيانًا، وفي لحظاتٍ متفرقة من الليل، كنت أشم تلك الرائحة نفسها فجأة داخل البيت، فأشعر بقلبي يتجمد للحظة قبل أن تختفي من جديد.
حتى إنني أصبحت أخاف تناول أي طعام لا أعدّه بنفسي.
وأحيانًا، كنت أستيقظ فقط لأتفقد أبواب المطبخ والثلاجة، وكأن الخۏف تسلل إلى أبسط تفاصيل حياتي.
وفي النهاية
أخذتني أمي إلى شيخ معروف بالرقية.
قرأ القرآن طويلًا داخل البيت.
ثم نظر إليّ بهدوء وقال
ليس كل أذى يراه الإنسان بعينيه منذ البداية.
ومنذ ذلك اليوم
لم تعد سورة البقرة تنقطع من البيت.
وأصبحت أداوم على الأذكار كل صباح ومساء.
لا خوفًا فقط
بل لأنني أدركت شيئًا مرعبًا
أن بعض البشر لا يؤلمهم حزنهم بقدر ما يؤلمهم أن يروا غيرهم سعيدًا.
وأن أصحاب القلوب المړيضة قد يحاولون هدم النعمة بدلًا من مواجهة أنفسهم.
أما أنا
فحتى اليوم، كلما رأيت قطًّا شاردًا في الشارع
أتذكر ذلك القط الصغير الذي ماټ بصمت، بينما كان  دون أن يفهم  يحميني كل يوم.